إبراهيم غرايبة

الجمع بين "الداخلية" و"البلديات"

تم نشره في الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

عندما تكرس التوجه إلى الخصخصة والسوق الحرة، باعتباره فلسفة وسياسة عامة للدولة والمجتمعات والخدمات، أُجريت مجموعة من التغييرات الكبرى، واتبعت سياسات وتوجهات جديدة تمكن السوق ورجال الأعمال والمستثمرين، مثل إلغاء وزارة التموين والتقاعد الحكومي. كما وضعت مئات التشريعات والقوانين الجديدة التي تعمل لصالح رجال الأعمال والمستثمرين. وأتبع ذلك بسياسات غير معلنة رسميا، لكنها واضحة ومعلنة عمليا، لتمكين السوق من الهيمنة على الخدمات والأعمال، مثل إضعاف مستوى الخدمات التعليمية والصحية. بل واستبيحت على نحو لم يحدث في الدول المتطرفة رأسماليا وليبراليا، الممتلكات العامة، لإتاحتها للمستثمرين؛ فالحدائق العامة صارت أبراجا تجارية، ومكتبات الأطفال صارت مطاعم، والغابات فوضت لأجانب.. عدا عن التسهيلات والإعفاءات والحملات الإعلامية والسياسية لترويج الخصخصة والتبشير بها.
ماذا فعلت الحكومات لأجل تمكين المجتمعات وبناء شراكة معها؟ كيف يمكن الثقة في الدعوات والتصريحات المتواصلة والمتكررة عن الطبقات الوسطى، والشراكة مع المجتمعات، والتنمية السياسية، بدون ملاحظة تذكر لتمكين المجتمعات واستقلالها، وتعزيز قدرتها على المشاركة؟
يمكن بملاحظة وتقييم السياسات والأفكار والعقل الباطن نحو المجتمعات، سواء في التشكيلات الحكومية أو الموازنات والإنفاق أو أسلوب وسياسات الإدارة العامة أو تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمعات، القول ببساطة: إن تجاهل المجتمعات وتهميشها، وإلحاقها بالحكومة والسوق، تبدو واضحة ومؤكدة في السياسات والأعمال الرسمية، وفي رؤية النخب السياسية والاقتصادية لنفسها وللمجتمعات!
فعندما تُلحق البلديات بوزير الداخلية، وعندما يكون وزير الداخلية مديرا للأمن العام، فهذا يعبر بالتأكيد عن رؤية أمنية للمجتمعات والعلاقة بها وبدورها. وإذا فاجأنا الفريق أول الركن حسين المجالي بشخصية جديدة وثقافة مختلفة عن ثقافة مدير الأمن ووزير الداخلية، ليؤسس لاستقلال المجتمعات وقدرتها على المشاركة، فسوف يكون ذلك استثنائيا.
دور الدولة، وفرض القانون وسيادته، ليسا عيبا، بل هما أمران مطلوبان وأساسيان، ولكن في إدارة الأمن والداخلية. أما في البلديات، فالمفروض هو تعزيز قدرة المجتمعات على المشاركة والولاية على خدماتها ومواردها، وتعزيز قدرتها على بناء وتشكيل قواعد اجتماعية واقتصادية حول أهدافها السياسية والاجتماعية. فلا يمكن الحديث عن أحزاب سياسية فاعلة، ومشاركة انتخابية مستقلة عن الروابط القرابية والدينية، إلا في ظل وجود مجتمعات حقيقية تدير مؤسساتها ومواردها ومصالحها، ولديها أفكار وتصورات واضحة عن المنظومة السياسية والتشريعية الملائمة لأهدافها ومصالحها. وتعكس البلديات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني هذه الاستقلالية المجتمعية، وقدرات الناس على تنظيم أولوياتهم واحتياجاتهم. ولكن عندما تكون البلدية مثل مخفر أو مركز أمني، فلا يساعد ذلك أبدا في تشكل حياة سياسية واجتماعية ديمقراطية، حتى لو قدمت وزارة الداخلية الدعم المالي والمؤسسي للمجتمعات، وعملت على مساعدتها بكفاءة ونزاهة؛ فلا يمكن لأجل تفعيل الحكم البرلماني إلا بوجود مجتمعات مستقلة ومشاركة في المسؤولية. وأخشى أن هذه الحكومة تمعن في إضعاف المجتمعات وفرصها في بناء خياراتها وتشكلاتها الاجتماعية والسياسية، حتى (وهذا مستبعد ولا يصدق) لو قدمت للبلديات الموارد والتطوير.. والسمن والعسل!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سقطة كبيرة (ابراهيم رمضان)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    مشكور استاذنا على هذا التحليل الرائع
  • »منطق و لا منطق؟ (هيثم الشيشاني)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    تتكلم أستاذنا بمنطق و شكرًا لتشخيصك الدائم + تقديمك حلول أو بذور مهمة لحلول ممكنة التطبيق.

    مثال دمج الوزارتين أتى جراء معطيات أدت لتقليص الحكومة (عددًا) و ما نسميه (رشاقة وزارية ـ لا ادري من أين استقيناها و لم بالمناسبة)، بالإضافة لمعطيات أخرى متداخلة مع شخوص الوزراء الآخرين و استرضاء النواب الأكارم + ال(شارع). ما أود استخلاصه أن اللا منطق في الاستشراف لهكذا قرار (و أقصد مثال الدمج بين الوزارتين تحديدًا هنا) واضح و مخيف! قطعًا سيكون هناك تركيز لأعباء وزارة على حساب أخرى و لا أظن رئيس الوزراء سيندم على ذلك لأن ذاكرتنا الجمعية مثقوبة و سننسى كل هذه التفاصيل لأن أحداثًا أكثر + أكبر في الأفق القريب. و لكن الندم سيأتي متدافعًا لأن آثار خطوة كهذه ستضيف لرصيد تآكل فرص أي شراكة لبداية تنمية مستدامة و لو على نطاق ضيق أو المشاركة في الولاية على بيئاتها الخاصة المباشرة.
    لا أدري كيف يشرعن رئيس الوزراء الحالي قرارات مثل هذه في تفكيره، أيعتمد على مواجهة الصعاب الآنية و النظر في (كل شيء آخر) "بعدين"؟ لا منطق في المواجهة + التفكير. حتى لو كان ضمن محددات صعبة فهذا ليس حلًا و لا شبه حل، مسكنات لن تدوم طويلًا - للأسف!