فريهان سطعان الحسن

لغتنا.. اللغة العربية

تم نشره في الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

ليس من دليل أوضح على ما وصلت إليه لغتنا العربية من حالة أسى، ما تتعرض له هذه اللغة من إنكار، ولربما خجل كثير من أبنائها ممن يعتبرون التحدث باللغة الإنجليزية في المناسبات الاجتماعية، كما بين بعضهم بعضا، أساسا للنجاح والتقدم، بل واكتساب "إعجاب واحترام" المحيطين بهم!
الأسبوع الماضي، حضرت في أحد فنادق عمان الفاخرة مناسبة خيرية، هدفها جمع التبرعات من أجل مساعدة المرضى، وسط حضور جماهيري كبير.
وكما العادة، رحب مقدم الحفل، في البداية، بالضيوف، معرفاً بالهدف من وراء إقامة الحفل، والأهداف الإنسانية المنوي تحقيقها من ورائه. وإذ كان المعنيون، حضوراً ومرضى، من الأردنيين العرب، إلا أنه وجه كل خطابه باللغة الإنجليزية، ولم ينطق بكلمة عربية واحدة؛ وكأن جميع الحاضرين من الغرب، فلا يمتون للعرب بصلة!
انتظرت كلمات القائمين على هذا الحفل الإنساني الخيري الذي يستحق المتابعة. لكنها لم تكن أيضا إلا باللغة الإنجليزية، وكذلك حال مشاركات الحضور، إلى درجة أحسست معها أنني لست في الأردن!
واكتشفت أن "عدوى" التنكر للغتنا العربية أو "الترفع عنها!" قد انتقلت إلى الحضور الذين كانوا يتبادلون الحديث فيما بينهم باللغة الإنجليزية. فهؤلاء كانوا لا "يمررون" كلمة عربية إلا عن طريق الخطأ، ما يوحي بتقصد واضح لتجاهل اللغة العربية أو الخجل منها.
لم تكن هذه المناسبة هي تجربتي الحزينة اليتيمة؛ فقد حضرت قبل ذلك العديد من المؤتمرات الصحفية والمناسبات الاجتماعية والحفلات الخيرية "العربية" التي تكون لغة الخطاب الأولى فيها هي الإنجليزية، في تجاهل تام لحقيقة أن جميع الحضور من هنا! وكأن القائمين على تلك المناسبات لديهم قناعة، أيضاً، بأن المتواجدين لا بد وأنهم يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة!
جميعنا يشجع على تعلم لغات عدة، تسهل حياتنا، وتفتح لنا آفاقا جديدة تطور مساراتنا العلمية والعملية، لكن على أن لا يكون ذلك على حساب لغتنا الأم؛ أي على حساب هويتنا وحضارتنا، في الماضي والمستقبل.
نحن نعيش الآن في مجتمع ربما فيه عائلات كثيرة لم ينطق أفرادها، منذ سنوات، بكلمة عربية واحدة في حديثهم مع بعضهم بعضا، داخل المنزل أو خارجه مع من يقابلون من البيئة ذاتها!
ثمة من يعتبرون التحدث بالإنجليزية نوعا من "البرستيج" الاجتماعي، أو سبيلاً لإعطاء "قيمة أكبر للحدث"، وهو في أحيان كثيرة نوع من "الاستعراض"! والحقيقة أن ذلك لن يمنح "البرستيج" الاجتماعي، بقدر ما هو "اغتراب" عن أنفسنا ومجتمعاتنا، و"انسلاخ" عن الهوية. ولذلك تجد في المقابل كثيرا من الأشخاص الذين قضوا حياتهم في الخارج، لكنهم ما عادوا ينطقون كلمة من اللغة الإنجليزية التي يتقنونها تماماً، تعبيراً عن اعتزازهم وفخرهم بلغتهم.
وعند زيارتنا لأي من الدول الأجنبية المتقدمة من غير الناطقة بالإنجليزية، نلمس كيف يجبر الزائر أو المقيم على التحدث باللغة الرسمية لكل واحدة من الدول، وإن كان المواطن هناك يتقن اللغة الإنجليزية. وقبل سنوات، قابلت في دبي مديراً فرنسياً لإحدى الشركات العالمية الكبرى، لإجراء حوار معه. وقد رفض أن تكون إجاباته باللغة الإنجليزية التي يجيدها، وطلب توفير مترجم ينقل الحوار من الفرنسية إلى الإنجليزية. وإذ استأت منه يومها، إلا أنني أدركت مع الوقت كم هو متمسك بلغته الأم، بما يعني الحرص على الحفاظ على هويته.
التحدث في مناسبات وطنية محلية بلغة غير العربية لا يمكن أن يكون نوعا من التمدن والتطور، بقدر ما هو اغتراب وأمية حضارية! فلغتنا تعلو بنا، تماما كما نعلو نحن بها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حلم عربي (نانا)

    السبت 28 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    احسنتِ باختيار الموضوع، وربما كتبته منذ فتره اود التعليق لكي لا يكون مجرد موضوع للحديث او مناسبه، و مقارنتك بين اهتمام كل دولة ليتكلم زائروها بالعربية ،جدا ملاحظة رائعة، اتمنى ان نهتم بالعربية بخطوات عملية و ان ننشأ مركز متخصص يقوم بانقاذ العرببة،اشكرك سيدتي الفاضلة .
  • »الناس على خطى نخبهم (ضيف الله سراج)

    الثلاثاء 2 نيسان / أبريل 2013.
    ما حدث للكاتبة يمثل جريمة مركبة بكل المقاييس، جريمة لغوية، جريمة اجتماعية، جريمة ثقافية، جريمة أخلاقية، جريمة وطنية وقومية.

    ما يحدث في الأردن وبعض دول الخليج من تحقير واستهتار وتدنيس للغة العربية أمر مرفوض ومشجوب ومستهجن من كل عربي يعتز بوطنه وعروبة ودينه وثقافته وعاداته وتقاليده وخلفيته الاجتماعية. وأرى أن النخبة ... هم السبب وراء هذا التدهور والانحدار والانحطاط اللغوي والثقافي ...
  • »Inferiority complex (محمود بكير)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    اخترت أن يكون عنوان تعليقي بالانجليزية حتى يسهل فهمه على أولئك المتحذلقين
    هذا الإصرار العجيب على استخدام اللغة الانجليزية يعكس مشكلة هؤلاء الأفراد مع هويتهم التي يتمنون الانسلاخ منها من اجل الانطلاق نحو العالم المتمدن المتحضر
    ربما تعرفين أكثر من شخص في عمان يحملون جنسيات مزدوجة و يتسمون رسميا بأسماء مختلفة تتناسق مع الصورة التي يريدون رسمها و عيشها ف باسم يصبح russel بمجرد تجاوز الطائرة لمجال الأردن الجوي.
    أي صفور و أي عقدة نقص
  • »للأسف ظاهرة منذ زمن ليس بالقصير (هيثم الشيشاني)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    شكرًا للمقال و الأمثلة.
    للأسف ألاحظ ميلًا نحو (دحش) لغات أخرى اللآن -خلاف الإنجليزية- في سجالاتنا!
    الفرنسية و الإسبانية = التمدن الجديد!
  • »السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (فريزه عبد الهادي بولاد)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    عزيزتي فريهان. خلقت اللغة. للتفاهم فهنالك عدة لغات لان الله خلق العديد من الشعوب. وتعلم اللغات والتحدث بها لا يعيب. أما بالنسبة للغتنا العربية فيجب على كل مثقف. وعالم يعتز بعروبته. ودينه أن يستخدم طاقاته. لخدمة هذه اللغه ،المحمية بعظمة الله. ليخدم عروبته. وأمته. أما من. نفسي. أقول. تحيه عطره لك أيتها اللغه العزيزه الطاهرة لغة تراب وطني الكريم والله الموفق.
  • »اللغة العربية وتدميرها من العرب (يزن-الاردن)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    يقول أحد المستشرقين :

    ليس على وجه الأرض لغة لها من العظمة والروعة مثل اللغه العربية

    ولكن ليس على وجه الأرض أمه تسعى بوعي أو بلا وعي لتدمير لغتها مثل الأمة العربية
  • »وهولاء لا يتقنون اللفظ الصحيح للكلمات الانجليزية (provider999@yahoo.com)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    كشخص درس وعمل وعاش في امريكا لعشرين عام اود ان اقول بان ملاحظاتي على اولئك الذين وصفتهم الكاتبة بالتحدث بالانجليزية كبرستيج انهم لا يتقنون اللفظ الصحيح للكلمات وان الغالبية من الكلمات المتداولة من قبل معظم الاشخاص خصوصا الشباب(slang langage) تدل على الافتقار لمعرفة اللغة فالاجدر بهم ان يستخدموا لغتهم العربية الام التي يستطيعوا لفظ كلماتها بشكل صحيح على الاقل
  • »لغتنا (رندة أبو ارميلة)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    أحسنت ، لغتنا تعلو بنا كما نعلو نحن بها ، و الحقيقة أن اللغة العربية هي لغة النخبة المثقفة و لكن للأسف يصر الكثيرون على التحدث بغيرها حتى كلمة البتراء حولوها إلى ( بترا ) و بلهجة غربية (مش عارف من وين طلعت هاي الموضة) فيقولون مثلا سلطة إقليم البترا التنموي و هذا على المستوى الرسمي ، طيب مدينة البتراء نبطية و الأنباط كانوا عربا !!!و اسمها البتراء و الهمزة هنا لم تحذف تسهيلا لها بل تقليدا لنطقها بالإنجليزية !!! هل لأن غير العرب يسمونها Petra يجب أن نسميها نحن كذلك ؟؟ حتى الإعلانات في الصحف كثير منها باللغة الإنجليزية و هي موجهة للعرب !!!عندما يتحدث الفرد بلغة عربية سليمة فإن هذا يعكس إنسانا مثقفا و يكسبه احترام الآخرين و تقديرهم ذلك أن مجيدي اللغة العربية بنحوها و صرفها هم قلة و نخبة أما الإنجليزية فكثير متحدثوها ، صحيح أن اللغة الإنجليزية سائدة اليوم بسيادة أصحابها و لكن بمقدورنا نحن أن نحفظ لغتنا من التدهور و الغرق أكثر و بمقدورنا كذلك أن نساهم في إضعافها و إبعادها عن الساحة و اندثارها كما يفعل الكثيرون منا بوعي أو بغير وعي .