د.أحمد جميل عزم

أوباما و"أقلمة" القضية بدل "تدويل" التسوية

تم نشره في الثلاثاء 26 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً

إذا كان اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، قد شكّل "اختراقا" أثناء زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة للمنطقة؛ يفتح الباب على تحسن العلاقات التركية–الإسرائيلية، فإنّ مجمل وأهم ما في الزيارة أنّها تطرق باب إعادة ترتيب الشؤون الإقليمية، وربما تبدأ بفكرة "شرق أوسط جديد".
لقد كان خطاب الرئيس الأميركي في القدس، أمام طلبة إسرائيليين، أقرب إلى وثيقة غزل تاريخية بالإسرائيليين؛ من نوع حديثه "رأيتُ التاريخ القديم للشعب اليهودي في مزار الكتاب (في إشارة لمتحف إسرائيلي يضم مخطوطات البحر الميت)، ورأيت مستقبل إسرائيل المشرق في علمائكم، ومشاريعكم. هذه أمّة متاحف واختراعات، ومواقع مقدسة منذ القدم السحيق، واختراعات خارقة للعادة. وفقط في إسرائيل ترى مخطوطات البحر الميت والمكان الذي جاءت منه تكنولوجيا عربة القمر الفضائية (العربة التي سارت على كوكب القمر)". وعمليا، ليس هذا مجرد غزل تاريخي وحسب، بل تمهيد لفكرة سياسية. فهو يقول إنّ "واحدا من أكبر المفارقات مما يحدث في المنطقة الأوسع، أنّ كثيرا مما يتوق له الناس، مثل التعليم، والمشاريع الإبداعية (القائمة على الاختراعات)، والمقدرة على البدء بمشروع جديد بدون دفع رشوة، والقدرة على الاتصال بالاقتصاد العالمي، هذه أمور يمكن أن تجدها في إسرائيل. هذه يجب أن تكون مركزا فاعلا للتجارة الإقليمية. وماكينة للفرص".
يبدو السياق الذي وضع فيه أوباما كلماته هذه كما لو أنه نوع من الإغراء للإسرائيليين بأنّ هذا ما ينتظرهم لو سارت عملية التسوية مع الفلسطينيين على ما يُرام، بمعنى أنّه ثمن للتسوية وليس هدفا آنيا. وهذه الفكرة ليست جديدة، لقد كانت في قلب "عملية السلام" مطلع التسعينيات، وحينها توازت العمليتان من حيث مفاوضات التسوية، مع إنشاء مشروع شرق أوسطي جديد، أخذ شكل مؤتمرات سنوية لمناقشة تصور إقليمي جديد يدمج إسرائيل وتركيا فيه. وتوقفت هذه المسيرة بعد وصول نتنياهو للحكم، وانتفاضة النفق العام 1996، وسياساته القمعية والاستيطانية. وقد كانت السياسة الإسرائيلية دائماً محاولة الفصل بين شأني التطبيع مع العرب والتسوية مع الفلسطينيين. لذلك، إذا افترضنا أنّ "عملية" سياسية بدأت مع الفلسطينيين، فإنّه قبل أن تحقق العملية نتائج، قد يجري الحديث عن "التطبيع" مع العرب. وسيؤدي التطبيع، كما يراه أوباما، إلى أن تصبح التجارة والصناعة والتعليم في المنطقة مرتبطة بإسرائيل. ويعني ذلك ضمنا، مثلا، أن تقفل كثير من الشركات والمشاريع أبوابها في مدينة مثل دبي، وتأتي إلى تل أبيب أو مدينة أخرى في فلسطين المحتلة العام 1948.
لقد كان ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، والحصول على عضوية مراقبة، تعني عمليا أنّ الفلسطينيين قرروا وضع حد للعملية التفاوضية التي تجري على مستوى ثنائي إسرائيلي–فلسطيني برعاية أميركية حصرية، والسعي بدلا من ذلك إلى تدويل الصراع بالعمل على إيجاد مرجعيات جديدة، ممثلة في الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية. وهذا ما رفضته الولايات المتحدة بشدة.
وهناك ملاحظتان برزتا من زيارة أوباما الأخيرة؛ أولاهما أنّ لجوء الفلسطينيين إلى هذا النهج قد جرى تجاوز تبعاته المالية إلى حد كبير باستئناف دفع المساعدات الأميركية. ولكن الملاحظة الثانية والأكثر أهمية، هي أنّ العضوية التي تحققت لم تنعكس أبدا على الخطاب السياسي أو التفاوضي للطرف الفلسطيني، ولم تدخل هذه العضوية أجندة التفاوض والنقاشات، وما يزال هناك بطء شديد في التعامل مع موضوع المحاكم الدولية، وهناك إعطاء فرصة للعملية السياسية بشروطها التقليدية التي تترك الغالبية العظمى من الأوراق بيد واشنطن، وهي عملية جربها الفلسطينيون منذ حوالي 22 عاما.
حراك الرئيس الأميركي إزاء تركيا، ومحاولة تفعيل دور أردني في إعادة إطلاق عملية تفاوضية، وارتباط كل ذلك بترتيبات إقليمية في مرحلة الثورات العربية، كلها قد تعني أنّ الرئيس الأميركي يفرض الواقع الذي يمنع أي تدويل للقضية الفلسطينية، ويصر على أن تبقى واشنطن ممسكة بكل الأوراق، ولكن مع "أقلمة" للقضية وجعلها جزءا من ترتيبات إقليمية جديدة، تبدأ بشؤون سورية ولا تنتهي بشأن إيران، مع دور لبعض دول الإقليم في حث الإسرائيليين والفلسطينيين على التفاوض.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اولويات المصالح الامريكية على مصالح الشعوب العربية (ابو انيس القروي)

    الثلاثاء 26 آذار / مارس 2013.
    لا شك ان اسباب عدم المبالاة وعدم اهتمام الادارات الامريكية المتعاقبة بالشعوب العربية بوجه خاص ، لا يعود الى اسباب سياسية او عسكرية او دينية او ثقافية او فكرية بقدر ما هي اسباب عنصرية نتيجة لسياسات وفلسفات الادارات الامريكية من خلال ايجاد انظمة تعمل على تسيير وتوجيه وتكييف الشعوب العربية حسب اهواء واشنطن ، وبما يخدم المصالح الامريكية في المنطقة .... حيث ان تلك الانظمة لا يتم اختيارها من قبل الشعوب العربية ، بل من قبل واشنطن ، وبطرق ووسائل واساليب غاية في السرية والكتمان تغفل عنها كثير من الشعوب العربية .... حيث يتضح انه ليس من مصلحة واشنطن وجود انظمة تعمل على تنمية وتقدم وتطوير الشعوب العربية ، وعلى حساب المصالح الامريكية في المنطقة .... وهذا السر من وراء اهتمام واشنطن باستمرار تقديم جميع اشكال الدعم لحلفاءها في المنطقة ، وللعدو الصهيوني بشكل خاص ، ولبعض الانظمة التي تسير في ركاب واشنطن في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام ، وفي العالم العربي بشكل خاص ..... وكذلك السر من وراء عدم سماح واشنطن لانظمة تعمل على الاهتمام بمصالح الشعوب العربية ، والوقوف ضد اي محاولة تهدف الى تنمية وتقدم وتطور تلك الشعوب ، اكثر من اهتمام تلك الانظمة برعاية مصالح واشنطن في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام ، وفي العالم العربي بشكل خاص .... وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال عدم تقديم او عرض او تزويد احدث ما توصلت له التكنولوجيا الامريكية لشعوب المنطقة ، وخاصة تلك المستخدمة للاغراض السلمية ، وعدم السماح بتسليح انظمة المنطقة باحدث ما توصلت له التكنولوجيا العسكرية الامريكية باستثناء العدو الصهيوني ، وخاصة في المجال العسكري.
  • »الغزل العذري (هاني سعيد)

    الثلاثاء 26 آذار / مارس 2013.
    غازل اوباما اسرائيل دون ان يتعرض لعذريتها لأن دينهم يرفض الزواج من غير اليهودي وهذا يعلمه السيد الرئيس جيدا
    ان الدول الذي ذكرها المقال لم تدخل على الخط فهي نفس اللاعبين ونفس الاغراءات المالية ونفس المخطط لم يتغير اي شيء المتغير الوحيد هو تعطيل اي تقدم يقوم به الفلسطينيين للارتقاء بقضيتهم ولو خطوة واحدة والكل متقف على ذلك مهما تغيرت الوجوه واختلفت اساليب الاحتيال فالهدف واحد
    وعلى الاقصى والقدس السلام يا اهل الكلام