محمد أبو رمان

ما تخفيه العمامة!

تم نشره في الاثنين 25 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

أثار مقتل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (في تفجير في أحد أحياء دمشق قبل أيام) جدلاً واسعاً بين أنصار الثورة السورية بصورة خاصة، وفي الأوساط الثقافية والفكرية العربية بصورة عامة. ومصدر هذا الجدال والاختلاف هو المقارنة بين الجانب العلمي والفكري الذي يمتلكه الرجل، مما يضعه في مصاف العلماء الكبار، وبين الجانب السياسي؛ إذ عُرف الرجل خلال حياته بممالأة نظام الأسد الأب والابن. إلاّ أنّ أكثر المواقف (الصادرة عن الرجل) سوءاً لدى السوريين عموماً، هو هجومه على الثوار والتنديد بهم في خطب الجمعة، ما اعتبروه بصورة غير مباشرة "فتوى مفتوحة" للنظام بالبطش والتنكيل بالمتظاهرين!
الموقف من مقتل البوطي تباين حتى بين فقهاء وعلماء الأردن. إذ قرأنا "تصريحات" على حائط (فيسبوك) وزير الشباب السابق والداعية محمد نوح القضاة، عن أنّه كان مهدّداً من نظام الأسد، وكان أهله رهائن لدى النظام. وكذلك تصريحات للدكتور شرف القضاة التي يثني فيها على علمه، لكنّه ينتقد فيها مواقفه الموالية للأسد، وهي الظاهرة للجمهور، أمّا ما في نيّة الشيخ وما تخفيه العمامة من أفكار وأسرار، فهو عند الله!
ثمة مبررات للاختلاف والنقاش حول الموقف من البوطي. لكن الأهم أنّنا يجب ألاّ نختلف على تجريم ورفض عملية الاغتيال التي حدثت، وهو الموقف الجيّد والحضاري الذي أبداه معاذ الخطيب وأعلنه الجيش الحرّ؛ فما حدث مدان وغير مقبول، إذ إن مواجهة الفتوى والعلم والفكرة لا تكون بالقنبلة والسلاح ولا بالحزام الناسف، أيّاً كان الفاعل، بل بالفتوى والعلم والفكرة.
هذا في الموقف الأخلاقي والإنساني الوطني. لكن من زاوية أخرى، يمثّل البوطي نموذجاً للعلماء والفقهاء الذين "تذاكوا" في العلاقة مع السلطة السياسية، فاختاروا المراوغة والتقية في محاولة لجلب المصالح الممكنة، بدلاً من القطيعة أو المواجهة، كما حدث في الصدامات التي وقعت بين الإخوان والبعث في سورية بداية من الستينيات وصولاً إلى الذروة في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وأسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى والمشرّدين والمفقودين!
بالضرورة، لا تقوم معادلة جميع الفقهاء على الموازنة بين المصالح والمفاسد، فهنالك من لهم مآرب شخصية ومصالح ذاتية علت فوق الاعتبارات الدينية والسياسية. إلاّ أنّنا لو تخلّصنا من الضغوط السياسية، والزاوية الحرجة التي يقف فيها العلماء والفقهاء ما بين خيار المواجهة السياسية وكلفتها عليهم وعلى الرأي العام، وبين مهادنة السلطة وكلفتها الرمزية والسياسية والإنسانية، لخرج العلماء (في حقول المعرفة المختلفة) إلى فضاء واسع من الفكر والعلم والعطاء السياسي والمعرفي!
لو تغيّرت الظروف السياسية والتاريخية، لوجدنا حالاً مختلفة ومغايرة بالكلية، وربما المقارنة بين حالة الأزهر في عهد حسني مبارك، وبين حالته اليوم، تعكس هذه الفرضية بوضوح. إذ عندما تحرر الأزهر من ضغوط الدولة والأمن التي تحسب عليه أنفاسه، ساهم خلال فترة وجيزة بدور إيجابي وحضاري بنّاء في المرحلة الانتقالية، وقدّم وثائق متقدّمة، وطوّر من دوره وحضوره، وحتى من بنيته الداخلية، وهي القضية التي يجب أن نضعها في الاعتبار عندما نحاكم ونسائل العلماء والمثقفين.
مهما كانت الاختلافات السياسية كبيرة ومشروعة، فالموقف يجب أن يكون واضحاً بحماية العقول العلمية. وربما ما حدث من "تفريغ صامت" (قتل وتهجير وشراء) لعلماء العراق في الفيزياء والذرّة، وكل عقوله المبدعة بعد الاحتلال، يمنحنا مؤشّراً رئيساً على هذه القيمة الكبرى للعلماء والمفكرين والمثقفين بعيداً عن الظرف السياسي القاتل.
لا يستوي العلماء والمفكرون والمثقفون المناضلون، ممن اختاروا طريق الكفاح من أجل الحرية، بمن تراخوا واختاروا طرقاً أسلم ومهادنة، لأسباب براغماتية أو حتى شخصية. لكن هذا وذاك يقع تحت مطرقة ظروف سياسية قاسية!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ضعف دور العلماء والشيوخ (ابو انيس القروي)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    كثيرا ممن يسمون انفسهم علماء وشيوخ لم يقفوا مع شعوبهم .... اما بسبب قناعاتهم بعدم خلط امور الدين بالسياسة ، او العكس ..... واما نتيجة لخوفهم من بطش انظمة الحكم المستبدة ... واما نتيجة الرغبة في النفاق والمجاملة والتملق امام اولئك الحكام المستبدين.
  • »يغالطونك إذ يقولون (أبو حمزة)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    كلامك أيها الأخ يحتوي على مغالطات
    1_ عنوان المقال فيه تهجم على العلماء من خلال العنوان والحديث عن العمامة ومن المعلوم أن العمامة لها رمزية حضارية في العلم والعطاء ولينظر الأخ الكريم في حال من لبس العمامة ليجدن أفواجا من العلماء لبسوها ونشروا بين أمتهم العلم والمعارف
    2_ الأسرار ليست عند العلامة البوطي الأسرار عند أصحاب الإتجاهات الحزبية الحركية التي إذا نظرت في مواقفهم من قضيا أمتهم وجدتهم يسيرون على طريقة يحلونه عاما ويحرمونه عاما
    3_ البوطي له مؤلفات ترجمت إلى لغات العالم وأسلم الكثير بسببها بخلاف أصحاب الفكر التكفيري الذين لا يمتلكون أسلوب الحكمة والإقناع وكان لهم الأثر الكبير في تشويه صورة الإسلام
    4_ نحن طلاب العلم عرفنا البوطي من خلال هدوئه وكتبه وإقناعه وقناعته وزهده وحكمته وثباته أما الذين يتطاولون عليه فنعرفهم من خلال العنف والإرهاب والتكفير والتنفير
  • »لا يا دكتور محمد (سليم الصفدي)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    (المراوغة والتقية في محاولة لجلب المصالح الممكنة) أهو مبرر لممالئة قتلة الأطفال ومغتصبي النساء ومدمري البلاد,ثم إصدارالفتاوى التي تؤيد الظالم وتجرم المظلوم؟ألم يقرأالبوطي ما قاله ابن تيمية عن الطائفة النصيرية(العلوية)وزندقتها,أكان جاهلا بهم؟أليس في مدحه للنظام وشبيحته إضلالا للناس؟ هو سقط من نفوس الثكالى والمنكوبين كما سقط حسن نصرالله قبله,فما كنا نتمنى أن يقتل,بل أن يهتدي ويصدع بالحق ليختم له بالحسنى.نعم لايستوي العلماءالمناضلون والمهادنون ولكن إن أصبحت المهادنة تزويرا فلا تصح المقارنة,ثم ليس دائما ما تخفيه العمامة مبررا لكل موقف.
  • »لا تعيرني بما هو فيك ! (ابو خالد)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    عندما يكون الرد على صاحب فكر بالقتل ,فهذا دليل على أن القاتل مفلس وعديم الحجة التي تقارع الحجة.كل من تصدوا لأنتقاد المرحوم البوطي لأصطفافه مع الاسد الاب والاسد الابن ,هم مصطفين بطريقة او بأخرى بزعامات سياسية لا بل حتى بقوى خارجية.
  • »حاربوا يا جهابذة الاقلام قيام اسرائيل الكبرى ..هذا اذا عندكم ضميرا حيا (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    أنا استغرب من كتابنا الجهابذين لماذا يرون أن من يساند الاسد للحفاظ على النظام خائنا ومجرما. وبالتي يغضون النظر من شراسة المخربين ألأجانب كقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة الامريكية ، وأجهزة مخابراتها واسرائيل وموسادها وبريطانيا والسكوتلاند ياردها وكل دول الأوروبية والناتو الذين يمدون المعارضة المهللة ، وجيوشها بالاسلحة الفتاكة للقيام باشنع المجازر ضد الشعب والأطفال الابرياء وطلاب الجامعات ، واتهام النظام بذلك ..رحم الله شهيدنا الغالي ، واسكنه فسيح جنانه .الفاتحة والصلاة الربانية على روحه الطاهرة فهو كان يعلم لو سقط النظام سقط الهلال الخصيب ، وحلت محله اسرائيل الكبرى ..فافهموا يا قساة القلوب
  • »الفتوى والعلم والفكرة (حمزة نبيه)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء والشيخ افضى الى ما افضى اليه وحكمه الى الله واغتنم هذه الفرصة التي اتاحها كاتب المقال وهذا المنبر وما تضمنه من فكرة مقارعة الحجة بالحجة والفتوى بالفتوى والعلم بالعلم والفكرة بالفكرة اغتنم الفرصة لدعوة العلماء الافاضل والمفكرين الاسلاميين لعمل حلقة بحث مطول ترعاها جهات محايدة في بيئة محايدة كمركز علمي او صحيفة مرموقة او اي جهة مؤهلة مقبولة لعمل ندوة او حلقة بحث او مؤتمر مطول لتقييم حكم الدين الذي يركن اليه جميع من اصدر فتاويه سواء كانت حاضة على الثورات كفتاوي القرضاوي او كفتاوي البوطي التي كانت على النقيض او ما صدر عن الازهر ابان الانتفاضة المصرية وحتى الجماعة السلفية والاخوان المسلمون الذي لم يصدروا فتاوي بالخروج على الحاكم لا بل دخلوا في حوار مع الرئيس السابق المسجون حاليا وعلماء الخليج الذي وقفوا مع الثورة؟ الليبية او اولئك الذين حرموا الخروج على القذافي من علماء سلفيين ايضا مما يعني ان الجميع يحتكمون الى مصدر تشريعي واحد لكنهم خرجوا باحكام متباعدة جدا من دعوة لقتل الحاكم الى دعوة لعدم جواز الخروج عليه وان من شان هذه الندوة الحلقة لو عقدت ان تضع نقاطا كثيرة على حروف الربيع العربي الحائرة وان تكون الان وليس غدا بعد ان تنتهي جميع الملفات حيث لن ينتفع بها بعد ذلك احد لانهم مشغولون باعمار مادمرته سنوات الربيع من بنيان في النفس والعمران
  • »بازار الدمار والقتل باسم الدين (شافيز)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    من حيث المبداء فان الجريمه التي حدثت في بيت من بيوت الله جريمه لا تختلف في نتائجها عن مذبحة صبرا وشاتيلا على يد الجزار شارون والامر الاخر هو الصاق محابات النظام لهذا الرجل من بواية الدين ونعلم ان النظام العربي بمجمله سخر الدين ولو من بعيد لاستمرارية في الحكم وهذا معروف للجميع وهذا ما يفعلوه هؤلاء الذين سموا (بالمجاهدين) ذاك المصطلح الذي لم يعد له لا طعم ولا لون ولا هدف سوى القتل هؤلاء الذين يستخدمون الدين في تمزيق وحدة هذا البد او ذاك بل ويستجدون من اطلقوا عليه (بالكافر)لتدمير ما لم يستطيعون تدميره وفي هذا البازار القائم في سوريا بزار القتل والدمار والارامل والايتام والتشرد هل تجد فرقآ بين هؤلاء والانظمه التي استخدمة الدين وعلمائه في فرقآ العبث بالمقدس لا اعتقد فكل سواء في الذبح والاساءه لهذا الدين.
  • »بلاوي وفتاوي (زكي العبايله)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    جميع الشرائع السماويه تحرم قتل النفس البشريه الا بالحق ولا اريد الخوض في مسائل دينيه وفقهيه متى يجوز قتل النفس ومتي يتم الخروج عن الحاكم لا يحق لأحد عالما" كان ام بشرا" معاضا" او موالي هدر دم المسلمين وغيرهم وما صدر عن بعض المشايخ والعلماء بفتاوي قتل العلماء وعلماء الشريعه التي تساند او تقف مع الانظمه يعتبر مؤشر خطير فيصبح كل صاحب رأى مخالف سواء "شيخا" او شابا" او كاتبا" او معارضا" اهدافا" مشروعه للقتل فتسود بذالك شريعة الغاب بدل الدستور والقانون نطالب الجميع شيوخا" ومعارضين وانظمه بالكف عن اهدار الدماء بحجة الاختلاف بدل الجلوس والتحاور للوصول للحلول مهما طال زمن التفاوض بدل هذا القتل والتدمير والتهجير والتشريد ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها ..ان ما يجري مخططات مرسومه لاضعاف العرب والمسلمين ولا غير ذالك ومع الاسف هناك سماعون ومنفذون ومستعدون لتنفيذ هذه المخططات اما لجهل وغباء او لخبث وحقداو لفائده ماديه ودنيويه.
    ان من قتل الشيخ والعلامه محمد سعيد البوطي هم عملاء وصهاينه وقتله مأجورين وليس النظام ولا الجيش الحر .ان من شاهد موقع الانفجار ولاحظ الصور عدم وجود تكسير او تدمير او حرق لاثاث المسجد يدل ان من قام بهذا العمل اجهزه استخباريه عالميه استخدمت بها نفس المتفجرات التي استخدمها الجيش الامريكي عندما حاصر مطار بغداد عام 2003 وقتل فيها الالآف دون تدمير يذكر لاثاث واجهزه مطار بغداد...ان قتل الشيخ الجليل كان القصد منه الفتنه الطائفيه الشيخ محمد كان وسطيا" ينبذ العنف من جميع الاطراف ولم يقف او يقر للنظام بقتل وتدمير السوريين وكان يدعوا بكل خطبه الى امعان العقل والعوده للتحاور وايقاف القتل والتدمير لم يقف مع النظام ولكن كان يهادنه حتي يخفف على السوريين معاناتهم الله وحده يعلم ما تخفي الصور .رحم الله شيخنا وعالمنا واسكنه فسيح جناته
  • »اغتيال وعاء العلم الشرعي (ماجد الربابعة)

    الاثنين 25 آذار / مارس 2013.
    لا يشك أحد في أن الدكتور البوطي كان يمثل ثروة هائلة من العلم الشرعي و الفكر الاسلامي مكنته من أن يكون في مصاف كبار العلماء في القرن العشرين و بداية القرن الحادي و العشرين على امتداد العالم الاسلامي . و كنت ازاء ذلك أكن له كل المحبة والتقدير لأسلوبه الهادئ الرزين و هو يتحدث . ولكنني كنت دائما أتمنى أن يقف موقفا ثابتا و واضحا من مختلف القضايا السياسية خاصة فيما يتعلق بجرائم النظام السوري بحق السوريين منذ مطلع سبيعينيات القرن الماضي انطلاقا من العلم الشرعي الذي كان رحمه الله يمتلكه . و كنت كثيرا ما أقارنه بعلماء اخرين على امتداد العالم الاسلامي ممن كانوا مثله علما و فكرا و ربما أقل منه و لكنهم كنوا يحملون اضفة للعلم الشرعي أفكارا اسلامية سياسية تجاه مختلف الأحداث السياسية في بلدانهم فيعلنون مواقفهم الرافضة بشدة لكل مايخالف الشرع الحنيف الذي ينبغي أن يكون منطلق الأفكار و الاراء و المواقف . فتحية خالصة للعلماء الدعاة الذين لا يملكون الا أن يكونوا معاول بناء يعملون على اظهار الحق و ابطال الباطل حتى لو كلفهم ذلك غاليا . لا أريد تعداد العلماء الربانيين الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم و أمتهم فهم كثر فهؤلاء سيخلدهم التاريخ بحروف من نور و ستذكرهم الأجيال المتتابعة كقامات شامخة . غفر للبوطي حيث كان من أقطاب العلم الشرعي لكنه لم يترجم الثروة العلمية التي كان يمتلكها الى واقع ملموس ينسجم مع الشرع ..