محمد أبو رمان

"ماغنا كارتا" أردنية

تم نشره في الجمعة 22 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

حرّكت القصة الصحفية التي نشرها الصحفي الأميركي جيفري غولدبيرغ، في مجلة "ذي أتلانتك"، عن الملك وآرائه تجاه القضايا الحيوية، داخلياً وخارجياً، المياه الراكدة في المشهد السياسي خلال الأيام الأخيرة. لكنّ جزءاً كبيراً من النقاش بقي يدور في فلك إمّا اللغة الذرائعية التبريرية والمنطق الدفاعي، أو اللغة الهجومية التحريضية، بدون أن ندخل في تفكير معمّق لما تطرحه من قضايا وآراء جدلية مهمة وأساسية، وما تقدّمه من مواقف وانطباعات شخصية ليست مقدّسة، ولا هي حتى نهائية لدى الملك نفسه، لكنّها تعكس قناعات وصل إليها بعد هذه الفترة من الحكم والتجربة.
أطرف ما في الأمر هو تلك الصدمة التي أصابت الأوساط الحكومية والإعلام الرسمي مما نشر في المقابلة، برغم أنّ 95 % من آراء الملك هذه سبق للأوساط السياسية أن عرفتها عبر اللقاءات التي كان يجريها الملك نفسه، لكن الفرق هذه المرّة أنّها ظهرت بصورة واضحة مباشرة للعلن (بعيداً عن جدلية السياقات والتأويلات، وهو أمر متوقع) بدون المرور بقنوات ومراحل "الفلترة" الرسمية والدبلوماسية.
كان يفترض أن يتم التعامل مع تداعيات المقابلة بدرجة أكثر ذكاءً، وبمبادرة غير تقليدية. لكن ما حدث (للأسف) أنّنا قرأنا بياناً متوقعاً رتيباً من إعلام الديوان الملكي، وشاهدنا وزير الإعلام الزميل العزيز سميح المعايطة، على التلفزيون الأردني خارج السياق كلّه. فيما تطوّع البعض بالهجوم على الصحفي الأميركي، وكأنّه متآمر على الوطن، برغم أنّ كل ما فعله هو أنّه اقتنص فرصة ثمينة لمعلومات وآراء تمنحه "ضربة إعلامية" بالمعايير المهنية التي لا يعرف غيرها!
بعيداً عن كثير من التفاصيل المثيرة في المقابلة، فإنّ أبرز ما فيها برأيي (وهو ما لم يلتفت إليه إلاّ عدد قليل من المحللين المحليين)، أنّ الملك يفكّر جديّاً وبقوة في موضوع الملكية ومستقبلها (وهو ما أفصح عنه بتفصيل في ورقته النقاشية الثالثة). وربما كان واضحاً أكثر، وصريحاً بدرجة أكبر، عندما تحدّث عن ملكية على غرار الملكية البريطانية؛ أي ملكية دستورية كاملة الدسم، يورّثها لابنه؛ حكم مؤسسي دستوري واضح المعالم والسمات، بعيداً عن التعقيدات الكبيرة التي تسم أنماط الحكم في العالم العربي.
الملك يتحدث عن نظام حكم جديد، يقوم على مبدأ العقد الاجتماعي الواضح، لا على منطق الولاء والبيعة و"التسحيج". وهي ربما تكون الرسالة القاسية غير المتوقعة لدى أطراف متعددة في المجتمع، أرادت تقديم صورة الملك داخلياً على نحو مناقض لما ظهر في المقابلة!
يظهر الملك -في المقابلة- خصماً للمجموعة التي تقف في الخندق المعادي للإصلاح، وتصرّ على الالتزام بالمعادلة التقليدية. ويبدو مشدوداً إلى قضية واضحة وصريحة، تتمثّل في ضرورة تغيير صيغة الملكية في الأردن، والوصول إلى نظام جديد في المستقبل. وهو ينتقد القوى التقليدية التي تعارض ذلك، من داخل "السيستم" ومن خارجه، خشيةً من التغيير أو حماية لمصالحها أو التزاماً برؤيتها المتكلّسة!
ثمة ملاحظات متعددة على هامش القصة، حول كثير من الانطباعات والقضايا، لأنّها ليست قصة عادية، بل هي استثنائية غير تقليدية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى! لكن الأكثر أهمية فيها، هو كيف يفكّر الملك في مستقبل الملكية، وتطوير النظام السياسي الأردني. وهو ما يستحق أن نجعله في عمق النقاش المطلوب، طالما أنّ الملك نفسه لديه الجرأة والمبادرة لفتح هذا الموضوع الحسّاس والحيوي، والذي كان خلال السنوات الماضية بمثابة "تابو" يُمنع الاقتراب منه!
الملك يطرح صيغة لعقد اجتماعي جديد بينه وبين الشعب، أو "ماغنا كارتا أردنية" (على حد تعبير الصديق والمحلل السياسي علي يونس)؛ على غرار الوثيقة التاريخية البريطانية الشهيرة. لكنها صيغة سلمية متدرجة هادئة للوصول إلى نظام حكم ديمقراطي بعد سنوات، عبر طريق آمنة وعقلانية.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قول وغير!! (قصي)

    السبت 23 آذار / مارس 2013.
    انتظرتك بعد تغيبك يومين عن الكتابة لأسمع رأيك، فوجدتك شخصا غير "ابو رمان" الذي عرفناه.. على العموم هذا شأنك في الفترة الأخيرة آمل ألا تكون قد تحوّلت...
  • »اكثر جرأه وتحليل وموضوعية نريد...؟ (محمود سليمان شقاح)

    الجمعة 22 آذار / مارس 2013.
    حسب متابعتي المتواضعة للمقابلة التي اثارت عصف ذهني وسياسي محمود ومطلوب.. اجدك صديقي الكاتب بانك "خجول" بتناولك للموضوع ولكن اعتقد وبموضوعية انك قد تكون من الاوائل او الوحيد الذي ناقش ولو بعجاله الافكار الواردة فيه..نعم لا جديد لمن هو متابع ومتعمق بالسياسات الاردنية وينظر ويقرأ من المصادر الخارجية فلقد تاكدت معلومة " اذا اردت ان تعرف الاردن فاقرائه واسمعه من خارج الاردن "....اعتقد ان الكلام اصلاحي اكثر من سقوف الاصلاحين وموضوعي وتحليلي اكثر من المحللين والكتاب وفيه افكار تخوفنا على مصيرنا اكثر مما نتداوله بغرفنا المغلقة... نحتاج الى وقفات وتحليل اكثر جرأه وتحليل وموضوعية نريد...؟
  • »جلالة الملك قال الحق (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 22 آذار / مارس 2013.
    قال جلالة الملك الحق .الخطأ بالتركيبة التي أكلت وشبعت ونبت وعصت وبدأت ترفص النعمة . المتماديون المتعالون أجراء عند الغرب ....فجلالة الملك قال الحق
  • »تحليل جميل (بانا السائح)

    الجمعة 22 آذار / مارس 2013.
    ما قاله الملك كان واضحا للجميع وتحليلك خجول الى حد ما في وضع النقاط التي ذكرها الملك بطريقة اكثر وضوحا..كلمات الملك تحمل في طياتها الكثير من المخاوف للبعض ولكنه تحدث عنها بشكل واضح انه مل هذه الطريقة عدم وجود العدالة الاجتماعية والسياسية في البلد..اعتقد انه يجب على النخب الاردنية الان ان تترجم ما قاله الملك على ارض الواقع ونخرج من المربع الاول والجدلية حول وجود ارادة حقيقية للملك في الاصلاح...
  • »جلالة الملك (اردني)

    الجمعة 22 آذار / مارس 2013.
    لا ارى سبب لردة الفعل المبالغ فيها من البعض والذين هم على رأي المثل ملكيين أكثر من الملك لقد اصاب جلالته الحقائق في هذه المقابلة ولا بد من اصلاح حقيقي وليس شكلى كما حدث في قانون الأنتخابات الأخير وما تبعه من انتخابات.

    علينا ان نسير الى الأمام ونسير خلف جلالة الملك في رؤيته الأصلاحية