عيسى الشعيبي

هما شمعتان لا ثالثة لهما

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

تطفئ الثورة السورية هذا اليوم شمعتها الثانية، وهي أكثر ما تكون بأساً ورسوخاً وتصميماً على انتزاع أهدافها في الحرية والكرامة، من بين براثن نظام عائلي استبدادي فاسد، تلحف بكل الشعارات القومية والتقدمية الزائفة، واستباح الدماء والحرمات تحت يافطة محاربة المؤامرة الكونية، ودخل في مرحلة من التوحش حداً تجاوز كل الحدود والآجال والسقوف، من أجل الحفاظ على بقائه كوريث وحيد "للمزرعة".
قبل عام من اليوم، أحيا السوريون ذكرى انطلاق ثورتهم وسط مشاعر عارمة بالثقة بالنفس، ويقين بالغ بحتمية النصر، واطمئنان شديد إلى أن الثورة التي شبت عن الطوق، وغدت تمرداً شعبياً واسعاً، قد باتت عصية على الاحتواء أو الكسر، وذات قدرة متعاظمة على الصمود في وجه آلة القتل، فوق أنها أمسكت بالزمام، وامتلكت روح المبادرة الهجومية الشاملة، وصارت حقيقة لا تقبل الإمحاء أبداً.
اليوم، ونحن نشارك أحرار سورية حفل إطفاء الشمعة الثانية لثورة تشبه المعجزة، لا تساورنا أدنى ذرة من الشك في أن هذه الثورة التي لا نظير لها في زمن العرب الحديث، تستكمل الآن شروط تحقيق نصر مؤزر، يرقى إلى مستوى الملحمة التاريخية الكبرى، وتشارف بتضحياتها العظيمة ذروة سنام الثورات الإنسانية الخالدة التي تتجاوز آثارها حدود المكان والزمان، وتؤول إلى مشترك قيمي باذخ لسائر الأمم والشعوب على مرّ الأجيال.
صحيح أنه يمكن اهتبال هذه المناسبة الفارقة في حياة بلاد الشام كلها، لمراجعة مسار هذه الثورة المكلفة بشرياً وعمرانياً، والوقوف نقدياً على بعض مظاهرها السلبية، وإبداء التحفظ على الأداء المرتبك لقيادتها السياسية، إلا أنه من الصحيح أكثر إجراء المقاربات الموضوعية لتطورات فاعليتها الميدانية، ومحاكمة خط صعودها المتفوق على نفسه، والتعرف على ديناميتها الذاتية، بمعزل عن الهذر السياسي والثرثرات الدبلوماسية.
وقد لا يحتاج المرء إلى خبرات جنرال متقاعد، ومعارف محلل استراتيجي بارع، كي يرى بعين العقل البارد، أن هذه الثورة التي تطفئ الشمعة الثانية باقتدار ومضاء شديدين، لا تحتاج إلى إطفاء شمعة ثالثة بكل تأكيد، بعد أن تمكنت من تحقيق التوازن النسبي على الأرض، وازدادت زخماً على زخم مع مرور الوقت، وانتقلت من طور لعبة البقاء إلى فضاء الهجوم التدريجي الحثيث، وذلك عشية التطور الدراماتيكي المنتظر عندما تأزف ساعة الحقيقة.
في المقابل، دخل النظام الذي فقد زمام المبادرة وبات مستقبله وراءه، في مرحلة إنهاك عسكري لا شفاء منه، وانكفاء متواصل في ميدان أوسع من قدرة أي جيش متعب على الاحتفاظ به، وتمترس في حالة إنكار تشي بانفصاله التام عن الواقع؛ الأمر الذي جعل مصيره معلقاً بالمساومات السياسية الدولية، وفوق ذلك كله تحول إلى عبء على نفسه، وعلى حلفاء قد يبيعونه بأبخس الأثمان قبل أن تلجأ العصابة إلى آخر سهم تبقى لها في الجعبة.
إذ بحسب ما تصادق على صحته التقارير الإخبارية المصورة من قلب الحدث، وتعيد البرهنة عليه شهادات الشهود من عين المكان، فإن النظام المتفوق بعد بقوة النيران البعيدة، وبسلاح جوي قديم متضائل الفاعلية، خسر المورد البشري القادر وحده على استثمار مثل هذه الميزة النسبية وتوظيفها في إعادة السيطرة على الأرض، بل إن قوى الثورة التي ازدادت كفاءة وتسليحاً وتنظيماً، باتت أكثر عدداً وجرأة، وأوسع مدداً من عديد جيش أعيته الانشقاقات والهزائم، وتلبسه اليأس إزاء استرجاع أي موقع فقده.
وهكذا، فإن متوالية الانهيارات العددية المتفرقة التي أخذت تضرب في بنية نظام صار يراهن على الشبيحة أكثر من الاتكال على وحداته العسكرية المتآكلة، من المقدر لها أن تعمل من الآن فصاعداً وفق متوالية هندسية لا كابح لها، وأن تجري مضاعفاتها بوتيرة أسرع مما كانت عليه من قبل لدى آلة حربية تشتغل بروح معنوية هابطة، وبقوة دفع ذاتية متضائلة، أو قل بقوة القصور الذاتي؛ الأمر الذي يجعل من كل ذي بصيرة شديد الثقة بأن الثورة التي تطفئ هذا النهار شمعتها الثانية، لن يعوزها انتظار موعد إطفاء الشمعة الثالثة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هما شمعتان لا ثالث لهما (حسني محمد)

    السبت 16 آذار / مارس 2013.
    كاتب عظيم ومقال رائع ودائما نقرأ لك.
  • »ليس هناك أفق للأنظمة الديكتاتورية (أبو فارس)

    الجمعة 15 آذار / مارس 2013.
    تردد العالم ومماطلته هو الذي أطال معاناة الشعب السوري وذالك لأسباب معروفة وعلى رأسها أمن اسرائيل بالرغم من أن هذا النظام يمتهن حقوق الإنسان بأبشع صوره. لقد أثبت العالم بأن القيم والأخلاق لا تعني شيئاأمام المصالح .