محمد أبو رمان

اعتذار متأخر للإمام..

تم نشره في الجمعة 1 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

في لحظة الثورات العربية والانعتاق من حقبة الاستبداد، ظنّنا أنّ ما كان ينادي به أساطين في الفكر الإصلاحي الإسلامي من أولوية المسألة الثقافية على السياسية، عبر الاهتمام بالتربية والتعليم والاقتصاد والتنمية، كان بمثابة "خرافة"، وأنّ الشعوب التي كسرت حاجز الخوف وحطمت القابلية للاستبداد قادرة اليوم أن تصنع واقعاً مختلفاً، وتلج إلى المستقبل بخطوات ثابتة.
هل نقول بأنّ تلك القناعة خاطئة؟.. نستغفر الله، فلا يمكن الاعتذار عن الحق في الحرية والحياة الكريمة! إلاّ أنّ ما نقوله هو أنّ هنالك لازمة ثقافية ومجتمعية لإقامة الديمقراطية، واستقرار منظومتها المتكاملة. وفي العالم العربي –اليوم- يمكن إضافة بند مهم، يتمثّل في التنوير الديني، لعقد اتفاق المصالحة بين الإسلام وروح العصر.
ليس معنى ذلك أنّنا –الشعوب العربية- لا نستحق الديمقراطية، أو غير مؤهلين لها؛ بل معناه حصرياً ضرورة الوعي بأنّ استقرار الديمقراطية يتطلب دفع عجلة النمو الاقتصادي والتنمية والتعليم، وتوجيه بوصلة المجتمعات نحو الإنجاز والعمل والتقدم الاقتصادي؛ أي لغة الواجبات في جوار الحقوق.
تلك النتيجة من وحي ما يحدث اليوم في كثير من الدول العربية، تردّ الاعتبار إلى الشيخ الإمام محمد عبده، رائد مدرسة الإصلاح الإسلامي. فنحن مدينون له باعتذار عمّا حاق به من ظُلم؛ إذ لم تُفهم أفكاره على الوجه الصحيح، ولم تنل ما تستحقه من اهتمام ومتابعة وتطوير، وحتى نقد من المجتمعات، فضلاً عن أبناء الحركات الإسلامية التي أحدثت قطيعة معرفية وفكرية مع هذه المدرسة.
في الارتباك الذي نشهده في المرحلة الانتقالية الحالية، يمكن أن نستدعي نصّاً واحداً من النصوص الثرية للإمام، لنقف على هذا العمق الفكري والعقلاني المغيّب عن مشهدنا الحالي. إذ يقول في مقالته "خطأ العقلاء": "لو تأملنا سير تاريخ التقدم الأوروبي لرأينا أسباب التقدم يجمعها سبب واحد هو إحساس نفوس الأهالي بآلام صعبة الاحتمال من ظلم الأشراف، وغدر الحكام، وضيق وجوه الاكتساب.. هذا الإحساس هو الذي دعا الأنفس الكثيرة العدد إلى الخروج من هذه الآلام، فطلبوا لذلك أسباباً متنوعة، أقواها التعاضد والتعاون على ترويج وسائل الكسب، وافتتاح أبواب الرزق.. فكانت جرثومة تقدمهم أمراً منبثاً في غالب الأفراد، ومحرزاً في أغلب العقول، وهو نشاط الأهالي في اجتلاب الثروة، وطلبهم لحرية العمل لينالوها، ورفضهم لتلك التقيدات التي كانت تمنعهم من حقوقهم الطبيعية، ثم تدرّجوا فيه ينتقلون من حال إلى حال.. حتى عمّ التغيير جميع العوائد والمشارب والقوانين.. ويتوارث هذا الشعور، وذلك الحرص أبناؤهم من بعدهم..".
هذا أحد النصوص التي تكشف روح مدرسة عبده الإصلاحية التي تمنح المشروع الإسلامي المعاصر آفاقاً حضارية وواقعية، وتشتبك مع أسئلة الديمقراطية والتنمية، ومع القوى والتيارات المختلفة بعقلانية مطلوبة؛ تضع مشروع التنمية وتحريك عجلة الاقتصاد في موضعها الذي تستحقه كأولوية لتغيير واقع المجتمعات، بدلاً من انزلاق الفرقاء الإسلاميين والعلمانيين إلى صراعات أيديولوجية تستنزف المجتمعات بدلاً من السير فيها إلى الأمام! 
صحيح أنّ المجتمعات العربية قطعت شوطاً مهماً في نبذ ثقافة "قابلية الاستبداد"، إلاّ أن أمامها إدراك الشطر الآخر والمهم، ويتمثّل في التركيز على الشرط الثقافي. وهو ما يتحقق عبر تحريك عجلة الاقتصاد والصناعة والإنتاج؛ فهي الكفيلة بتكريس مصالح وقيم جديدة، وقراءة عصرية منفتحة للدين ودوره. أليست هذه النتيجة هي التي وصل إليها ولي نصر، في كتابه "قوى الثروة الصاعدة"، عندما تحدّث عن الطبقة الوسطى المتدينة في تركيا بوصفها مفتاح المستقبل والتغيير في العالم العربي والإسلامي؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق