هاني البدري

ورقة التوت الإسرائيلية.. في السينما

تم نشره في الخميس 28 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

من ذات البقعة الجغرافية، ومن طرفي نقيض، خرج حالمٌ إسرائيلي اسمه درور موريه، وآخر فلسطيني هو عماد برناط، كلٌ بحلمه ومشروعه يحدوهما الأمل, بأن الرسالة قد تصل أخيرا..!!
الأسبوع الفائت كان حافلاً بالحراك السياسي الإسرائيلي للإيقاع بمشروعين سينمائيين تم ترشيحهما للحصول على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في العالم، أحدهما فلسطيني والآخر على نحو غير معتاد إسرائيلي!!
هكذا تشاء الأقدار أن تُجهضَ يدٌ واحدة مشروعين بين الأضداد، لكنهما يحكيان لغةً واحدة دونما اتفاق أو مواءمة، فالفيلم الإسرائيلي (حراس البوابة) الذي أثار استهجاناً في أوساط النخبة السياسية الإسرائيلية وفي مقدمتها غضبٌ عارم عبر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتينياهو، يسبر على نحو غير مسبوق أغوار جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) بكل ما يمكن أن يحمل في طريقه من كشف لمؤامرات ودسائسَ ودم مسفوح وخطط استهداف لفلسطينيين في الداخل.
اجتهد موريه في (حراس البوابة) فسجل لشهادات ستة من الرؤساء السابقين لجهاز الشين بيت, راصداً تفاصيل شديدة الدقة والسرية، تجاه عمليات تصفية واغتيالات لقيادات فلسطينية, وخطط تستهدف فلسطينيين عاديين في الضفة وغزة.
ما لا نفهمه حتى الآن هذه الصراحة (الصلفة) التي ظهر بها مديرو الشين بيت وهم يتحدثون عن ممارستهم كافة أنواع القمع ضد الفلسطينيين على مدى أعوام طويلة, مُلقين باللوم على الساسة الإسرائيليين لإخفاقهم في اتخاذ "قرارات شجاعة" تجاه ايجاد حل سلمي مع الفلسطينيين.
حراس البوابة، خُصص له اجتماع خاص لمجلس الوزراء الإسرائيلي قبيل إعلان نتائج الأوسكار في ظل استياء وتجاهل وفتور إسرائيلي عام تجاه ترشيح الفيلم الإسرائيلي، وبالطبع واستنادا للعلاقة التاريخية التي تربط هوليوود وأكاديميتها السينمائية المَهيبة المانحة للأوسكار بتل أبيب سقط الفيلم الأول وأجهض المشروع الإسرائيلي ليتوقف عند هذا الحد من التحيز على حد تعبير موشيه يعلون نائب رئيس الوزراء وهو مدير سابق للشين بيت.
جاء دور الحالم الآخر, ذلك الفلسطيني عماد برناط, الذي رُشح فيلمه الوثائقي (خمس كاميرات مكسورة) لنيل ذات الجائزة ليلَ الأحد الماضي، فقد أثار برناط حفيظة نتنياهو وإدارته التي بدت مستنفرةً طوال أسبوع السينما المناوئة كما وصفتها صحيفة إسرائيلية, حيث وثق تسعين دقيقة من واقع الحياة في قرية بلعين الفلسطينية مسجلاً مشاعر حية لفلسطينيين خسروا أراضيهم بسبب الجدار العازل, وآخرين خسروا أرواحهم في مسيرات سلمية إنتفضت ضد الجدار والاستيطان في القرية.
للمرة الثانية قفزت حميمية العلاقة بين تل أبيب وهوليوود فأُستبعد الفيلم عن الجائزة وسقط .. أُجهض المشروع السينمائي الفلسطيني عند هذا الحد..!!
الغريب أن برناط وعائلته أُحتجزوا في مطار لوس انجلوس عقب وصولهم للمشاركة في حفل الأوسكار ليُعلن أن هذا الأمر يحمل رسالة, لكنه أيضاً أمر عادي "لنا نحن الفلسطينيين في الضفة حيث نقابل كل يوم خمسمائة نقطة تفتيش ومحسوم وحاجز".
استياءٌ واسع من نوع آخر واجه به الاسرائيليون (خمس كاميرات مكسورة) حين أُعلن أن منتج الفيلم ومساعد المخرج هو إسرائيلي متضامن مع الفلسطينيين يدعى جاي دفيدي، مَوّل الفيلم من صندوق ثقافي تديره الحكومة الإسرائيلية.
رسالة حراس البوابة وخمس كاميرات مكسورة.. تكاد تكون واحدة بعقليتين مختلفتين؛ الأولى وضعت أمام العالم وجوهاً كانت مخفية في الظلام خلصت بعد أعمار من القمع والاضطهاد أن إسرائيل قوية عسكرياً لكنها أخفقت في التوصل لحل سياسي.. وان القوة وحدها لا تكفي ولا تمنحك دائماً حلولاً أفضل.
أما الثانية فقد وثقت لتاريخ خمس كاميرات تلفزيونية استخدمها المخرج برناط أثناء توثيق لأحداث بلعين, في سبع سنوات شهدت توسعاً لحركة الاستيطان، لقيت كلها -أي الكاميرات الخمس- ذات المصير على أيدي القوات الإسرائيلية التي كان رصاصها يستهدف عدسات الكاميرات الخمسة حتى تطمس الحقيقة وتُبقى ورقة التوت إياها..
أحلامٌ متشابهة ومُجهضة ورسائل واضحة (زي الشمس)، وأميركا بنظامها وأجهزتها وجماعاتها الضاغطة وأوسكارها.. تغض الأبصار والحواس!!.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حكم القوي (ليث ياسين)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2013.
    المشكلة الكبرى انه 5 أفلام وثائقية كانت مرشحة لاوسكار, 4 منهم كان لهم رسالة مفيدة تتكلم عن إمور حساسة مثل الفيلمين الذين تكلمت عنهما وواحد يتكلم عن التحرشات الجنسية في الجيش الامريكي وواحد عن المرأة الافغانية على ما أعتقد وفاز الفيلم الذي ليس له مغزى وقصته تتكلم عن فنان غير معروف.
    انا لم حضر ولا فيلم ولمن تحس السياسة هي التي فرضت الواقع