د.أحمد جميل عزم

الفلسطينيون يكسرون معادلات "أ" "ب" "ج"

تم نشره في الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

يشعل الشباب الفلسطيني الأرض تحت أقدام الاحتلال في مواقع مختلفة من الضفة الغربية؛ يحرقون بالنيران أبراج المراقبة قرب المخيمات وحواجز الاحتلال، ويُفشلون المخطط اللوجستي الاحتلالي لفرض الهدوء، فيما تبدو الترتيبات الاقتصادية السياسية للهدوء تتهاوى. ولكن الطاقة الشعبية الفلسطينية تعاني الفجوة مع القيادات والفصائل.
ما إنْ استشهد عرفات جرادات، ابن الخليل، في المعتقل، حتى تحركت الجماهير الغاضبة من جنين شمالا إلى غزة جنوبا. وتحركت إسرائيل للاتصال مع السلطة الفلسطينية، ولتحول أموال الضرائب المحجوزة لديها سعيا إلى التهدئة.
ما يحدث ربما يكون نهاية عهد الترتيبات اللوجستية والاقتصادية التي تعتمد عليها إسرائيل لضمان هدوء الفلسطينيين.
هناك مخطط إسرائيلي بدأ نهايات الثمانينيات ومطلع التسعينيات، زمن الانتفاضة الأولى، لتقليص الاحتكاك مع الشباب الفلسطيني، بتقليص الحضور الإسرائيلي في الشوارع والأزقة الفلسطينية، والانسحاب إلى محيط المدن والقرى؛ فلا يجد الشبان جنوداً يرجمونهم ثم يختفون عبر البيوت والأزقّة. وتكرس هذا بعد انتفاضة "الأقصى" وبوجود السلطة الفلسطينية؛ فإسرائيل تكاد لا تدخل قصبات المدن، أو ما يُعرف بالمنطقة (أ) في الضفة الغربية، إلا لتنفيذ عمليات اعتقال أو لأهداف محدودة. وتخلو المناطق (ب)، خارج المدن، من حضور أمني إسرائيلي أو فلسطيني، وتشكل أكثر من ربع الضفة بقليل. فيما يتركز الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق (ج) التي فيها الأراضي الفارغة الممكن استيطانها، ولا توجد فيها سوى كثافة فلسطينية صغيرة تُعزل بأسوار وبوابات.
نضجت منذ نهايات العام الماضي خبرة الشبان في تجاوز معضلة "هرب" الإسرائيليين من المواجهة، وطوروا تكتيكات للتجمع والوصول إلى الطرق الالتفافية والحواجز ونقاط التماس، بدون مواجهة قوات الأمن الفلسطينية. كذلك، تطورت أدوات المقاومة الشعبية، مثل قرى الخيام التي تقام على أراض مهددة بالاستيطان، كنوع جديد من كسر معادلات (أ) و(ب) و(ج). هذا فضلا عن أن مدينة مثل الخليل، تُقسم الشوارع فيها بين الفلسطينيين والمستوطنين إلى H1، وH2، تجعل المواجهات أخطر، لأنها تتضمن المستوطنين لا الجنود فقط.
يدرك الإسرائيليون رفضهم السماح بأي كينونة فلسطينية من أي نوع، وقد أعطتهم انتفاضة الأقصى مثالا حياً على أنّ قوات أمن أو شرطة فلسطينية لن تتحول حقيقة إلى حارس لأمنها، حتى لو التزمت أو تحمست عناصر قليلة في هذه الأجهزة لذلك. وأثبتت الأشهر القليلة الماضية أنّ أفراد هذه الأجهزة في لحظات المواجهة يعرفون بوصلتهم. فمثلا، كان الشهيد رشدي التميمي، في رام الله، الشرطي، في مطلع شهداء التضامن مع غزة في حرب العام الماضي. وبعد ذلك بأيام، اعتقلت إسرائيل أربعة من ضباط المخابرات الفلسطينية، في يطا، جنوب الضفة. كل هذا يُنضج الظروف لمعادلة تترك الشباب الفلسطيني بمعزل عن تدخل الأمن الفلسطيني. ومؤخرا، أُصيب نجل قائد جهاز الأمن الوقائي، زياد هبّ الريح، في المواجهات قرب عوفر. ودور وزارات السلطة في دعم قرى الخيام سر مُعلن. هذا مع تذكر أنّ معادلة (أ) و(ب) و(ج) تجعل دور الأمن الفلسطيني محدودا أصلا.
أما تحويل أموال الضرائب للفلسطينيين، كنوع من التهدئة، فهو تذكير بأنّ حجز هذه الأموال هو لإنهاك الفلسطينيين وعقاب السلطة على رفض التفاوض، وعلى الذهاب إلى الأمم المتحدة. هذا الإضعاف يُنهي أي أمل لدى الفلسطينيين بالاتجاه لحياة أفضل أو استقلال، ويذكرهم أنّ تجربة الحياة والتنمية تحت الاحتلال وهم. والأهم، أنّ التقليص المستمر للتعيينات والرواتب في أجهزة السلطة، هو إنضاج لإعادة المواجهة مع إسرائيل. فتقلّص الراتب من حيث مقداره، وعدم انتظامه، والتقاعد المُبكّر، وعدم التعيينات، تعني عمليا أن معادلة تحويل الكوادر الفلسطينية المناضلة والشابة إلى موظفين في السلطة، ترتبط حياتهم بالراتب آخر الشهر وديون البنوك -وهي المعادلة التي سادت في السنوات الأخيرة- تتحلل تدريجيا، وتعيد الشارع الفلسطيني إلى حالة حيث لا يوجد لديه ما يخسره.
في الأثناء، فإن خلافات "فتح" و"حماس"، كما حدث في ندوة عزام الأحمد وعزيز دويك مؤخرا، وحديث قيادات في السلطة عن معارضة انتفاضة ثالثة، تعني أنّ حراك القاعدة الميدانية بعيدٌ عن القيادات والقوى التقليدية. ورغم أنَّ هذا يعني أن القاعدة الميدانية قادرة على التجدد وتجاوز قياداتها، إلا أنّه يعني أيضا مشكلة قد تنشأ في التنسيق والحراك ورصّ الصفوف.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق