محمد برهومة

أميركا في الاتجاه الآخر

تم نشره في الجمعة 22 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

أصبح من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة لن تتدخل في سورية؛ ما يعني أن الصراع سيمتد، وأن مأساة الأبرياء والمدنيين والضحايا ستطول. ومشكلة أميركا في السنوات الأخيرة، كما يقول فرانسيس فوكوياما، كانت في تدخلها المفرط في الأزمات الدولية، كما حدث في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، وهي الآن في الاتجاه الآخر؛ إذ تمارس إدارة الرئيس باراك أوباما توجسا مبالغا فيه إزاء التدخل وإصلاح الفوضى، وهو ما يتضح في الأزمة السورية. وهذا برأي فوكوياما، خطأ استراتيجي ومأساة حقيقية تهدد أمن المنطقة.
من هنا، فإن كل الكلام عن أن سقوط بشار الأسد سيضعف إيران و"حزب الله"، وسيساعد أميركا في الضغط على حكومة نوري المالكي في العراق، وغير ذلك من مكاسب استراتيجية.. كل ذلك لن يكون، على أهميته الكبيرة، حافزا للولايات المتحدة لأن تغيّر رأيها وتتحول إلى الأخذ بالتدخل في سورية لإسقاط النظام. وعلى الرغم من أن ذلك قد يضر بصورة أميركا في العالم العربي والإسلامي، وعلى الرغم من أن أوباما أحرص على هذه الصورة من بوش الابن، إلا أن المرجح أن أميركا لن تتدخل في سورية، وستبقي الأمر رهنا بصراع القوى المحلية أولا، والقوى الإقليمية والدولية ثانيا، وإن عنى ذلك مزيدا من الألم وإطالة زمن الحرب والصراع؛ فهذا ليس المحدد الوحيد لقياس المصالح الأميركية.
الخبراء والباحثون في الشأن الأميركي يكررون أن أوباما في ولايته الثانية سيكون أقل اكتراثا بالشرق الأوسط، وأكثر رغبة في الانسحاب من المنطقة العربية عسكريا؛ وأنه على قناعة كاملة، بصفته منتميا إلى حزام المحيط الهادئ (بحكم المولد والنشأة)، بأن مستقبل المشاركة العسكرية والدبلوماسية الأميركية يكمن في مكان آخر هو الشرق الأقصى.
واختيار جون كيري لوزارة الخارجية الأميركية، وتشاك هاغل لقيادة "البنتاغون"، يؤكد طبيعة التفكير الأميركي الجديد في عهد أوباما، وفي ولايته الثانية بالتحديد. وقد لفت الكاتب الأميركي ديفيد إغناتيوس إلى أن هاغل وزّع في فترة سابقة أكثر من ثلاثين نسخة، على الرئيس أوباما ونائبه وغيرهم، من كتاب "أيزنهاور 1956"، والذي يروي قصة قيام الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور بإجبار إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب من غزوهم الثلاثي المشترك لقناة السويس، الأمر الذي رسّخ مكانة الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. وقال إغناتيوس إن هذا يعكس طريقة تفكير هاغل حيال القوة الأميركية في المنطقة، على خلفية الاختلافات بين واشنطن وتل أبيب بخصوص برنامج إيران النووي. وما لم يقله إغناتيوس هو أن أوباما يفضّل إدارة حرب باردة مع إيران.
وقد كان حديث هاغل مهماً حين نفى بشدة أنه صرّح، قبل سنوات، بأن الخارجية الأميركية تابعة لإسرائيل. والمتفائلون يرون أن اختيار أوباما إسرائيل والأراضي الفلسطينية لتكون أول محطة خارجية في ولايته الثانية، يعدّ إشارة مهمة من رئيس لم يزر إسرائيل وفلسطين مرة واحدة خلال ولايته الأولى، حتى برغم زيارته للمنطقة العربية. وهؤلاء المتفائلون يرون أن الزيارة المرتقبة تعني أن الشرق الأوسط ما يزال مهماً وأولوية أميركية، وأن القضية الفلسطينية لم يتم نسيانها.
وأزعم أن الأقرب إلى تفكير أوباما هو أنه من غير المحسوم بعد ما إذا كان مستعدا بالفعل لتوظيف احترامه وشعبيته في القيام بمحاولة أخيرة لتأمين حل الدولتين، وتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي، لكن الخطير أنه إذا ما استمرت وتيرة الاستيطان وقضم الأراضي الفلسطينية الذي يقوم به الاحتلال الإسرائيلي لسنة أخرى أو سنتين، فإن هذا يعني أن أي حل يقوم على مبدأ الدولتين سيكون مستحيلا، وعندها لن تنفع النوايا الطيبة كلها.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق