جهاد المحيسن

جميعنا برسم القتل!

تم نشره في الأحد 10 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

من ينظر لمسيرة الربيع العربي على مدى عامين، يجد أنه وبكل حيادية قد اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبحت بوصلته في حركة متضاربة تؤكد حجم التخبط على أرض الواقع، بحيث أصبح من المتعذر أن تحدد اتجاهاتها بما يخص القضايا الوطنية والقومية والإنسانية.
والسبب تتحمله بالدرجة الأولى النخب الحاكمة التي فشلت في إرساء مفهوم واضح للدولة الوطنية، وبدلا من ذلك عززت من قبضتها البوليسية على المجتمع ومؤسساته، وعندما حاول المجتمع الانفكاك من تلك القبضة الحديدية، وجد المواطن العربي نفسه أسيرا للفوضى الأمنية، وأسيرا للفراغ  السياسي.
هذا الفراغ السياسي، ساهم في بروز النزعات المتطرفة لدى جميع الأطراف التي تلعب في المشهد الفوضوي الذي بدت معالمه أكثر وضوحا في بروز جيل جديد من أنصاف الفقهاء وأنصاف المتدينين وكذلك أنصاف القوميين وأنصاف اليساريين، ما عمق الفوضى وبرر لولادة فتاوى تبيح القتل المجاني لمجرد الاختلاف في الرأي، وهذا بحد ذاته انتكاسة وتأكيد على أن المشروع الغربي قد نفذ إلى العمق في سعيه لتفكيك المجتمع وإبقاء السيطرة علينا وعلى مستقبلنا السياسي ومقدراتنا الاقتصادية، ولكن هذه المرة الأداة نحن، فلم يعد الغرب مغرما بدفع ثمن دمه الغالي طالما نحن نقوم بدفع الثمن من دمائنا!
اغتيال شكري بلعيد يشكل علامة فارقة في ثورات الحرية والكرامة، فالرجل هو نفسه المحامي الذي دافع عن المساجين السلفيين في سجون الرئيس السابق زين العابدين بن علي، سُجن في عهدي بورقيبة وبن علي وكان من موقعه كمحام من بين قلة من المحامين الذين دافعوا عن السلفيين ضحايا قانون الإرهاب.
هذه الحادثة البشعة التي أودت بحياة مناضل أفنى عمره في الدفاع عن الحرية للناس بغض النظر عن الايدولوجيا التي يحملونها، تؤكد أن الفوضى والقتل المجاني سيكونان عنواناً للمرحلة المقبلة.
لا نملك أي دليل على أن من قتل شكري بلعيد هم المتطرفون الإسلاميون أو غيرهم، لكن ما يثير تخوفاتنا، تلك الفتوى المجانية التي يطلقها أنصاف المتدينين، ففي مصر خرجت فتوى بقتل المعارضين، وكل من يخرج على وحدة الجماعة، ويهدد وحدة المجتمع، تلك الفتوى لم تخرج من علماء كبار أزهريين، خبروا الفقه على مذاهبه الخمسة  واللغة والتفسير، وباقي العلوم الشرعية، بل من جيل جديد استقى معارفه الفقهية الرمزية من شيوخ متطرفين منعمين بالنفط، "والفقهاء الجدد" بضاعتهم المعرفية لا تحتاج إلى عناء وطول تفكير ودرس حتى يصبحوا دعاة ومفتين!
تونس ومصر وباقي المنظومة العربية ستكتوي بنيران الفتوى التي تهددنا جميعا بالقتل، ولن يكون وقودَ هذه الفتوى والتدين المنقوص العلمانيون وحدهم، بل سيشمل الجميع طالما أن القصة لا تتعدى سوى بضع كلمات يطلقها من يدّعي معرفة دينية وفقهية ويصبح الجميع تحت رحمة الجلاد!
  ما حدث في تونس ويحدث في مصر يشكل إرباكا للساحة السياسية وخلطا للأوراق وزعزعة للأمن واستقرار البلاد ودفعها إلى الفوضى، التي يستفيد منها أعداء الأمة.
 من سنشيع في قادم الأيام؟

jihad.almheisen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس بعد الكلام كلام (رسال عزام)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    شكراً لقلمك استاذ جهاد وأدامك لبث الوعي بنظرتك الثاقبة، الحلم ليس كالواقع، الواقع غير ما تحلم به الامة وتتخيله، في ظل واقع غريق بوحل الجهل والغباء، فضلاً عن النفطودولار.
  • »المر والأمر منه (مراد)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    وا صدمتاه! إكتشفنا ان أغلب الشعوب العربية هي فعلا عربية ومسلمة. ملخص ماتقوله لنا هو انك لاتريد الديمقراطية لأنها لاسمح الله قد تسمح للأغلبية ان تختار دولة عروبية إسلامية. وهل تعتقد ان قرن أخر من حكم العلمانية والرجعية الفاشلة الفاسدة العميلة هو مازال خيارا مقبولا عند أغلب العرب؟