هاني البدري

الحبر ما يزال في جيبي

تم نشره في الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

أبدى سليمان حرصاً لافتاً على غمس اصبعه حتى آخره، في زجاجة الحبر المُراق بالحنة، وهو ينهي عملية التصويت في أحد المراكز الانتخابية، التقط اصبعه بحنان حتى يحافظ على كامل الحبر الذي التصق على جوانبه، اختفى اظفره الذي (مَعَسَهُ) بإمعان داخل الحبر فأضحى قاتماً، غادر بدون أن يلتقط حتى منديل الورق الصحي الذي قدمه له أحد موظفي المركز الانتخابي.
كان قد تأكد أن مشاركته في الانتخابات قد وجدت طريقها للنور، فأمضى سحابة نهاره الممتدة وهو يُلوحُ باصبعه (المُحَبر) أثناء كلامه وبشكل مقصود، ليستفز مستمعه للسؤال "لمين صوتت؟".
وسرعان ما يطلق إجابته المُعَدّة مسبقاً بعناية "لا..لا هذه حرية شخصية، أنا صوتت لمن يستحق".
نجحت كل محاولاته التالية بإظهار اصبعه، وكأنه يعطي إشارة المخرجين السينمائيين (أكشن) ليبدأ حديث طويل، حول النائب الجيد، ومن ذلك النائب الذي علينا أن نوصله للبرلمان.
حاول جاهداً أن يعزز قناعته التي أعلنها سابقاً بنزاهة الانتخابات، فحدث أصحابه عن الدقة في التمحيص والتدقيق الالكتروني ومقارنة البطاقات، وبالحبر الذي لا يمكن إزالته حتى بالهايبكس.
كانت فرصة سليمان ذهبية، للاستفراد بأُولئك الذين قضوا نهارهم وهم يخفون أصابعهم في قبضاتهم المغلقة، حتى لا تظهر (الفضيحة) وتنكشف (المؤامرة) وهم أنفسهم من قضى أياماً يتحدث عن أهمية الانتخابات كصفحة جديدة في حياتنا، مضى سليمان يشرح حالته النفسية بعد أن أدى "الأمانة" ومدى ارتياحه بعد أن أدلى بصوته في الصندوق.. كرر مراراً أن "صوتك مُهم لتُحدث التغيير".
منحه اصبعه، مساحة أكبر ليستعرض ما آلت إليه الأمور بسبب ما سُمي بظاهرة المال السياسي وشراء الأصوات، وذَكر أن المواطن هو المعني الأول والأخير باستفحال الظاهرة أو القضاء عليها.
أمضى سليمان الذي قضى أُسبوعه الماضي متجولاً في المقار الانتخابية لمرشحي الدائرة الثالثة، يوم الانتخابات بالحديث عمن يشككون بنزاهة الانتخابات وعن أُولئك المقاطعين كونهم "هُمو الخسرانين"، ويحلل في أهمية المرحلة الراهنة التي نمر بها وأثر تشكيل مجلس نيابي قادر على مواجهة أعباء هذه المرحلة..
بفجاجة واضحة، استفز بعضاً من أصدقائه ذلك المساء، بالسؤال "وين اصبعك يا رجل.. شكلك مش منتخب، وليه ماصوتت لهسة"، كانت معظم أسئلته معلومة الجواب، لكنها كانت مدخلاً لحديث طويل في الوطنية والأمانة وعن أُولئك النواب الذين خدموا أبناء دائرتهم والآخرين الذين أداروا لهم ظهورهم.
بين كل أولئك الذين حاولوا جاهدين إخفاء أصابعهم النظيفة ووسط أحاديث سليمان ومماحكاته، دفع قادم جديد إلى حلبة الحوار باصبعه، وبأداء مسرحي لافت أيضا "أنا ما انتخبت ومابدي انتخب".."انتوا مُصدقين انوا هاي الانتخابات نزيهة..أهلاً نزيهة".
بين اصبعين، اختفى الحوار واحتفظ كل من صاحبيه بموقفه، وبمحاولاته الفجة لشرح تجربته ومواقفه ومشاهداته، بين اصبعين ضاعت الطاسة وغاب الحوار، واتضح أن كل طرف يحتفظ بموقفه وبفهمه للمشهد، وبتخندقه وراء قناعاته.
بعد مرور 72 ساعة
ما يزال اصبع سليمان مُحبراً وقد اتخذ ألواناً أخرى قرمزية، وما تزال الخلافات حول صناديق فُتحت وأُخرى أُعيد احتسابها، وأُعتذر لمرشح أُعلن فوزه، وأُخبر آخر بفوزه بعد أن أُعلنت خسارته، زادت المناكفات، ولم يرض أحد سوى أُولئك الذين عبروا الطريق إلى العبدلي بسلام.
حاول سليمان بصعوبة ذلك المساء مسح اصبعه وهو يتمتم لنفسه، شو صار يا إخوان، وسمع على الراديو أحداً يتفلسف "قبل أن تجف أحبار أصابعنا، كنا قد دخلنا في مهاترات ما بعد العرس، نجحنا لكننا لم نُبدد الشكوك التي كانت جاهزة".
غمس اصبعه في الهايبكس بإمعان، فلم تعد لغة الأصابع تعبر عن شيء.

hani.albadri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابدعت (علوش)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    فعلا يا استاذ هاني كأنك كنت بداخلي يوم الانتخابات فهذا ما حصل ,, وللأسف الآن لا استطيع ان اناكف الذين قاطعوا الانتخابات بعد ما حصل بالقوائم الوطنية
  • »Thumps up (nasser elwan)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    Really true...!!