محمد أبو رمان

"علمانيات" لا واحدة!

تم نشره في الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

ثمة رؤى متباينة، بل ومتضاربة، لدى المثقفين والسياسيين العرب تجاه السؤال الأكثر أهمية في العالم العربي اليوم، وهو دور الدين في المجال العام. إلاّ أنّ مشكلة أغلب السجالات المطروحة اليوم أنّها تطرح الموضوع من الزاوية الأيديولوجية (مع أو ضد)، وكأنّنا أمام قضية مسطّحة؛ بينما -على النقيض من ذلك- تمثّل هذه القضية أحد أبرز الموضوعات الشائكة والمركّبة التي تحتاج إلى دراسات نظرية وتاريخية وواقعية معمّقة!
ضمن هذا السياق، يمكن أن نجد كتاب أحمد ت. كورو (الباحث التركي)، بعنوان "العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين (الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا)"، مفيداً ومهما لترشيد النقاشات والحوارات العربية الحالية حول العلمانية والدين ودوره في المجال العام.
الكتاب (وهو في الأصل أطروحة دكتوراه) يتجاوز سياقات التعميم والمنظورات الأيديولوجية، ويتناول خريطة الأنظمة العلمانية في العالم بأسره، ليصل إلى نتيجة مهمة مفادها أنّنا لسنا أمام علمانية واحدة مشتركة، بل علمانيات مختلفة ومتنوعة ومتباينة في وجهات نظرها للدين ودوره في المجال العام. وفيما يميّز الباحث في الأصل بين علمانية سلبية (أي أقل حدّة تجاه الدين)، وعلمانية حازمة، إلا أنه يقدّم أيضاً خرائط للأنظمة الدينية في العالم، وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة؛ من أنظمة دينية، إلى تلك التي فيها دين راسخ، ثم العلمانية وأخيراً اللادينية.
لعلّ أبرز مساهمة يقدّمها الكتاب تتمثّل في المقارنة بين ثلاثة أنظمة علمانية تختلف في تحديد صيغة العلاقة بين الدين والدولة. ففي الولايات المتحدة، تتغلّب العلمانية السلبية التي تتيح قدراً معيناً للدين في المجال الاجتماعي. بينما في فرنسا وتركيا تتغلّب العلمانية الحازمة، التي تصر على اختزال دور الدين في المجال الخاص والشأن الفردي، وترفض أي إشارات أو رموز دينية في المجال العام.
المقارنة تتجاوز الوصف إلى التحليل؛ فهي تتناول أولاً العلمانية من حيث السياسات الدينية والسياسات التعليمية، والسماح بالشعائر والصلوات في المدارس، والرموز الدينية في الحياة العامة. وتعبر الدراسة من ذلك إلى تفسير الاختلافات بين الأنظمة الثلاثة على صعيد نمط العلمانية السائد، مع التركيز على فرضية "النظام القديم" (أي ما قبل الأنظمة العلمانية الحديثة) في تلك الدول، وتأثيره على النخب السياسية والاقتصادية وموقفها من الدين. ويضع الباحث أربعة مؤشرات رئيسة في تحديد هذا التأثير، تتمثّل في النظام الملكي، والدين السائد، ودرجة التحالف التي كانت قائمة بين الاثنين، وأخيراً موقف الحركة الجمهورية.
وعلى هذا الأساس، يميّز الكتاب العوامل التي تقف وراء اختلاف الأنظمة العلمانية. ففي فرنسا، تم تحميل رجال الدين مسؤولية كبرى في التحالف مع النظام الملكي القائم والإقطاعيين. وفي تركيا، كان رجال الدين لاعباً رئيساً في النظام السابق على الكمالية. بينما في الولايات المتحدة لم يكن هنالك نظام قديم فيه هذا التحالف، ولم تتشكّل عداوة من النخب السياسية تجاه الدين ورجاله، بل على النقيض من ذلك كانت "الحرية الدينية" بمثابة بنية أساسية في تقوية دعائم علمانية متسامحة منفتحة.
في الخلاصة، العلمانية ليست مفهوماً جامداً (استاتيكياً)، ولا مسطّحاً، وكذلك حال تصورات الإسلاميين للدولة؛ فهي متباينة ومتنوعة، وتجارب الدول والعلاقة بين الأنظمة الجديدة والقديمة السابقة عليها مختلفة، والشروط التاريخية (التي تؤثر بنيوياً في مفهوم العلمانية الدارج) أيضاً مختلفة. وهذا وذاك يدفع إلى عدم الوقوف عند خطوط الصدام الأيديولوجي، أو الاكتفاء بمواقف معلّبة مسبقة، بل المطلوب البحث بصورة معمّقة وواقعية عن صيغ توافقية للعلاقة بين الدين والدولة في الأنظمة الديمقراطية العربية الجديدة. وهي صيغ مرشّحة للتطور والتحول، تبعاً لموقف النخب السياسية واتجاهاتها وتصوراتها، وأيضاً مصالحها!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العلمانية نظام دكتاتوري (عمر ابورمان)

    السبت 19 كانون الثاني / يناير 2013.
    لا اعلم كيف تعتبر العلمانية نظام او منهج للهروب من سيطرة الاديان بينما تكون الشعوب اصلا مجبرين عليها فلو اجري مثلا استفتاء في بلد عربي مسلم على تحكيم الشريعة الاسلامية وما بين القوانين الوضعية المعمول بها لوجد الغالبية تفظل وترغب بتحكيم الشريعة
    فهل ستقوم غالب الدولة بتطبيق الشريعة اشك بل اكاد اجزم ان العلمانين لن يقبلو بذالك اذن كيف تكون العلمانية نظام دمقراطي وتحرري وتجبر الشعوب عليها اذن هوا مصطلح يتيح لهم تملص من الدين وعتقد أننا اكبر المتظررين منها
    فديننا فيه مساحة من الحرية تفوق ما هوا مطبق في الغرب لكن لماذ الهروب منه !!!!!!!!
  • »البحث عن البدائل...ليس لنا نحن المسلمون (ابو ركان)

    الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2013.
    عندما يكثر الجدل حول موضوع العلمانية في مجتمعنا الاسلامي اصاب بالحيرة وكثيرا من التعجب، فما علاقتنا نحن المسلمون بمثل هذه الطروحات، فمجرد الحديث عنها ورغبة البعض بتبنيها بمجتمعنا الاسلامي يعتبر ردة عن ديننا الحنيف الذي وضع لنا بكل وضوح الاسلوب الامثل لطريقة عيشنا وحياتنا وطريقة وطبيعة انظمة الحكم التي يجب ان تحكمنا، والبحث عن غير ما اراده الله لنا هو كفر سافر بوجود الخالق ورفض الدين الذي ارتضاه لنا نحن البشر. ربما نعذر اصحاب الديانات الاخرى ببحثهم عن اسلوب حياة وطريقة حكم تنظم حياتهم لقصر الايضاح الكافي بالكتب التي بين ايديهم ولكن كتاب الله الكافي والوافي وهو القران الذي اكمل واضاف للكتب السماوية ما كانت تفتقر اليه اقفل الباب امامنا نحن المسلمون واراحنا من البحث عن صيغ اخرى تنظم حياتنا فالدين الاسلامي كما جاء ولو طبق بحذافيره لرفعنا الى اعلى الدرجات وخلق مجتمع فاضل خالي من المشاكل التي تعيشها المجتمعات الاخرى.
  • »العلمانية الهلاميّة ... (د. رامي عياصره)

    الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2013.
    العلمانية ليست منهج محدد ومتكامل بقدر ما هي مبدأ عام يقوم على فصل الدين عن الحياة، والديمقراطية كمنهج سياسي وليد من العلمانية كذلك الحال لا يحمل معالم محدده وإلا لماذا لا يوجد شكل واحد يقال أن هذا يمثل الديمقراطية وغيره لا ، بمعنى أن اليمقراطية نظام هلامي مائع ومطاطي ، بخلاف الشيوعية التي كانت تحمل شكلا واضحا نستطيع قياس الانظمة بناء عليه
  • »الاسلام بطبيعته علماني (يافا العجمي)

    الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2013.
    الاشكالية هي أن البعض يفترض أن العلمانية نقيض الدين الاسلامي بينما الواقع غير ذلك. ومن المهم هنا اقتباس ما قاله العالم الاسلامي د. محمد عمارة "إسلامنا علماني بامتياز، وان مصطلح العلمانية، لا يمثل عدوانا على ديننا، ولا انتقاصا من إسلامنا، بل على العكس يمثل العودة بديننا الحنيف إلى موقعه الأصيل، وموقعه المتميز في هذا الميدان." نوافق الكاتب أن هناك سياقات تاريخية مختلفة فرضت على بعض الدول لجم استخدام الدين في السياسة من خلال المؤسسة الدينية. الفرق بين التجربة الأمريكية والفرنسية هو في طبيعة التجربة الدينية ففي أوروبا كان هناك الكنيسة الكاثوليكية بينما في أمريكا هناك الكنيسة البروتستانية الاصلاحية والتي ليست لها مرجعية. المهم أن الدولة الدينية هي مرحلة سبقت الدولة القومية، واليوم عمر الدولة القومية في العالم هو أكثر من مئتين سنة. وقد أفاجئك لو قلت لك أن إن نسبة لا تزيد عن 2 في المئة فقط من رجال الدين الـ 85,000 في إيران تتعاطى السياسة، ويؤيدهما في ذلك مدرستي السيستاني والخوئي.