عيسى الشعيبي

ناخبون ومقاطعون.. تقديرات أولية

تم نشره في الثلاثاء 8 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

بعد أن اجتازت العملية الانتخابية عدداً من الأشواط المهمة على طول الطريق المفضية إلى محطة يوم الاقتراع، وتحقق الجزء الأكبر من الرهان المعقود على انحياز الأغلبية من الكتلة التصويتية إلى خيار المشاركة، تنصرف الأذهان خلال فترة الأسبوعين المتبقية إلى الرهان، مرة أخرى، على نسبة المشاركين، بين من يأمل في ارتفاع النسبة وبين من ينتظر هبوطها إلى أدنى مستوى، كي يبرر كل منهما صحة موقفه إزاء هذه الانتخابات.
وليس من شك في أن القلق سوف يظل سيد الموقف لدى كل من الدولة والمرشحين من جهة، ولدى المقاطعين على رؤوس الأشهاد من جهة مقابلة، إزاء حجم المشاركين المحتملين في هذا الاختبار الذي سيكون له ما بعده عند الجانبين اللذين يتطلع أولهما إلى الحصول على شرعية شعبية وازنة للعملية الانتخابية، فيما يتحرق ثانيهما إلى تجريد هذه العملية من مثل هذه الشرعية التي ستحسمها نسبة المشاركة بمتوسطاتها الإحصائية في العاصمة والمحافظات.
وبعيداً عن بعض المسوحات الاستكشافية الجارية حول نسبة المشاركة هذه، فإن كاتب هذه السطور الذي ظل يؤيد خيار الانتخابات رغم ما لديه من تحفظات على القانون، يجازف بالقول إن هذه النسبة سوف تكون أعلى مما كانت عليه في الجولات الانتخابية السابقة، وذلك بفضل القائمة الوطنية أولاً، وسلامة الإجراءات والتدابير التي قامت بها الهيئة المستقلة للانتخاب ثانياً؛ الأمر الذي وسّع من قدرة الناخبين على الاختيار من خارج دوائرهم، ومنح هؤلاء ثقة بنزاهة العملية، كانت مفتقرة في السابق.
والحق أن هذا التقدير المبكر بعض الشيء حول رجحان احتمال ارتفاع نسبة المشاركة بدرجة أعلى مما كانت عليه فيما مضى من انتخابات مليئة بالعيوب، مرده ملاحظات عامة، وانطباعات شخصية متفرقة، مستمدة أساساً من كل هذا التزاحم بين المرشحين الذين بلغ عددهم نحو ضعفي العدد الذي كانوا عليه في الدورتين السابقتين، الأمر الذي من شأنه أن يحشد لهم، بجهود ذاتية، مزيداً من الناخبين في الدوائر الفردية. وهي مسألة جوهرية حاسمة في مجتمع تتقدم فيه الاعتبارات العشائرية والعائلية والجهوية على ما عداها من اعتبارات فكرية ومنظومات حزبية.
وتسمح بعض الانطباعات الشخصية، مما تراه العين من هنا وهناك، بتعزيز الافتراض المسبق بأن نسبة المشاركة التي تتقاطع عندها رهانات المؤيدين والممتنعين، سوف تكون كافية لمنح العملية الانتخابية الوشيكة نقطة الشرعية الشعبية المرغوب فيها. وهي انطباعات يمكن تكوينها من خلال زيارات بعض مقرات القوائم الوطنية، أو المرور بجانب عدد من مقار المرشحين في الدوائر الفردية، حيث بدت لي جموع الذين يؤمون مقر أحد هؤلاء في الدائرة التي انتخب فيها، في ظهر أي يوم أو في المساء منه، أكبر بكثير من أعداد المتظاهرين في ساحة المسجد الحسيني أيام الجمع الأخيرة.
ومع أن هناك الكثير من الملاحظات النقدية التي يمكن سردها في سياق هذا الماراثون الانتخابي المحتدم يوماً بعد يوم، والعيوب التي ما تزال تكتنف العملية الانتخابية، فإن ذلك كله لا يقلل من أهمية هذه العملية إذا ما بلغت شواطئ قيم النزاهة والشفافية، وجرت وفق المعايير المعمول بها في الديمقراطيات الناشئة، وذلك لما ترسيه هذه العملية من أسس يمكن البناء عليها مستقبلاً، وتحسين شروطها مرة بعد مرة، وفوق ذلك ما تكرسه من سوابق حميدة، وتقاليد انتخابية ملائمة، أحسب أن مجتمعاتنا في أمسّ الحاجة إليها زمن الربيع العربي.
وإذا ما صحت هذه التقديرات الأولية، وتحقق جزء من هذه الانطباعات المتفرقة، وجاءت نسبة المشاركة في الانتخابات التي باتت على الأبواب بمعدلات أعلى مما كانت عليه في السابق، فإن المرء الذي يميل في مطلق الأحوال إلى اتخاذ المواقف الإيجابية، وينبذ القطيعة ويرفض الحدية في الأقوال والأفعال، يكون قد راهن رهاناً صائباً بالفعل على صحة خياره بدعم التوجه نحو المشاركة عندما تتوفر مقومات الحد الأدنى لها، وعلى وجاهة انتقاده للقوى الحزبية التي دعت إلى المقاطعة، وتلك التي امتنعت في اللحظة الأخيرة عن المشاركة فيها.

التعليق