رنا الصبّاغ

"نجوم" القوائم الانتخابية ومسلسل المفتاح!

تم نشره في الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

 غالبية الناخبين المحتملين ينتظرون نوعية البرامج التي ستحملها إلى القبّة 61 قائمة وطنية، تضم 829 مترشحا يتنافسون حصريا على 18 % من مقاعد المجلس النيابي، ضمن تجربة غير مسبوقة، يفترض أن تعطي نكهة مختلفة للعملية الانتخابية، وتساعد على دبّ الحماس في شارع منقسم بين ضرورات المشاركة ومبررات المقاطعة.
شكليا، قد تكون هذه القوائم من بين الحسنات القليلة لتعديلات "تجميلية" فُرضت على قانون الانتخاب، نتيجة الإصرار على اجترار تركة الصوت الواحد قيد التطبيق منذ العام 1993، وتقسيمات الدوائر الضيقة، بهدف كسر نفوذ الإخوان المسلمين الأكثر تنظيما وتأثيرا في المجتمع.
فتلك القوائم (وبرامجها) هي التي قد تفتح الباب لتحالفات المستقبل، وتثير نقاشا وطنيا يؤمل أن يطال قضايا تهم المواطنين، مثل آليات لجم الغلاء، ومكافحة البطالة والفقر، والتعامل مع عجز الموازنة المقلق، والإصلاح الضريبي المؤجل، والضمان الاجتماعي، فضلا عن تطوير النظام الانتخابي وصولا إلى دولة المواطنة وتغيير الثقافة السياسية السائدة.
على أن الناخبين المحتملين ما انفكوا ينتظرون برامج القوائم الانتخابية التي ما تزال قيد الطباعة، باستثناء قائمة التيار الوطني.
قوائم بألوان وأشكال متعددة، تضم وجوها جديدة ومجربّة أو "حيتانا" طفوا على سطح المجتمع بالاتكاء إلى ثرواتهم. شخصيات تعكس نسيج المجتمع الأردني، بطبقاته الثرية ومحدثّة النعمة والكادحة، وبقواه السياسية؛ يسارية، وليبرالية، ومحافظة، ويمينية، وإسلامية من خارج جماعة الإخوان المسلمين. ومنهم من يمثل ثقلا ديمغرافيا واضحا.
المفتاح!
يُشتم المال السياسي في العديد من القوائم، خصوصا تلك التي يتصدرها رجال مال وأعمال، يأملون في لعب دور سياسي ربما لضمان مصالح شركاتهم، واستمرار تبادل المنفعة بين السلطة ورأس المال. ويذكرّنا هذا المسار بالمسلسل السوري الجريء "المفتاح"، الذي يتتبّع رحلة صعود رجلين هامشيين يعملان في كتابة استدعايات أمام المؤسسات الرسمية، ليصبحا ضمن أهم رجال التشريع والسياسة في البلد.
وهناك قوى صاعدة من "حراكيين" شباب في المحافظات المهمشة، ساهموا في الربيع الأردني. و"أبناء حراثين"، ومتقاعدين عسكريين رفعوا شعارات تجاوزت الخطوط الحمراء، ووضعتهم في خانة المعارضة المؤثرة غير التقليدية، والتي عانت من "لبلرة" الاقتصاد. وهناك أيضا شخصيات هامشية توارت وراء رموز معروفة، تزيّن "وجه سحارة" القوائم.
حراك القوائم لا يخفي سلبياتها.. وغموض في احتساب النتائج
المراجعة الأولية للقوائم السبع الأكثر حظا (التيار الوطني، الجبهة الأردنية الموحدة، الاتحاد الوطني، النهوض الديمقراطي، الوسط الإسلامي، المواطنة، ووطن) تؤشر إلى أن الحصيلة ستذهب إلى أصحاب المراكز الثلاثة الأولى، بينما يترك لسائر المرشحين التنافس على عشر مقاعد تعد فتات طعام موائد الكبار.
وآلية احتساب الفائزين من القوائم، عبر تدوير الكسور المتبقية، تشيع شعورا بالإحباط وعدم العدل.
وثمّة انطباعات متناسلة بأن الدولة تعمل لمصلحة إنجاح رموز في بعض القوائم، لضمان التحكم بخريطة البرلمان القادم، والذي سيكون له دور في تشكيل الحكومة؛ ما قد يهدد نزاهة منظومة الانتخابات قيد الاختبار.
كما أن قرار رفع عدد مقاعد "الوطنية" من 17 إلى 27 مقعدا، بهدف زيادة  تمثيل الأردنيين من أصول فلسطينية في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية المختلطة -عمان، الزرقاء، وإربد- لم يحقق الغرض منه. ذلك أن معدلات تسجيل الناخبين في تلك المدن لم ترتفع، وخلت غالبية القوائم من رموز وازنة قادرة على تجسيد طموح الكتلة الرئيسة الثانية لمكون الوطن -الأردنيين من أصول فلسطينية- والسير صوب مأسسة دولة المواطنة والمساواة.
الاقتراع عنوان على طريق الإصلاح.. وليس المحطة النهائية
لذا، من المستبعد أن تنزع الانتخابات فتيل الأزمة السياسية المحتقنة، وتطفئ غضب الناس من رفع الأسعار، أو توقف الحراك المطلبي والسياسي في الشارع، وتخفف حدّة الانقسامات الأفقية والعامودية، وتدفن ملف محاربة الفساد والمفسدين.  
في موازاة ذلك، يتنافس 699 مرشحا ومرشحة، غالبيتهم من المستقلين مع عشرات الحزبيين، للفوز بـ123 مقعدا فرديا، بما فيها مقاعد "دوائر البدو المغلقة"، و"كوتات" مخصصة للمرأة والشركس الشيشان والمسيحيين. وهنا تكمن المشكلة التي تعمقت نتيجة تدوير قانون الصوت الواحد مع "مكياج" القوائم.
فأكثر من نصف مترشحي على المقاعد الفردية هم وجوه مكررة، شاركت في دورات سابقة وكشفت حدود مواهبها ومواقفها المتأرجحة بين انتزاع مكتسبات شخصية وإرضاء أصحاب النفوذ.
من بين المتنافسين 65 شخصية كانت جلست على مقاعد المجلس المنحل، وأكثر من 135 مرشحا سبق لهم أن وصلوا إلى قبة السلطة التشريعية في برلمانات سابقة، تضاف إليهم أسماء فشل أصحابها فشلا ذريعا في الحملات الانتخابية الماضية، لكنهم يصرون على المحاولة معتمدين على ثقل عشائرهم، ومكانتهم الاقتصادية والاجتماعية، ومالهم السياسي.
العديد من مرشحي المقاعد الفردية يعمقون شعور الإحباط بين المسجلين في سجل الانتخاب (2.3 مليون نسمة)، ويسكبون ماء باردا على إمكانيات الإصلاح الحقيقي، بخاصة الوجوه القادمة من انتخابات مزورة (2007 و2010) صممت أصلا لإنجاح نواب على "قد المقاس" في ذلك الوقت.
هذه الوجوه تذكّر بالتجريف الذي ضرب دورة الحياة السياسية بعد أن ظلت الأحزاب على هامش التجربة الديمقراطية منذ إعادتها إلى السطح العام 1990، وتآكلت قدرة مؤسسات الدولة على تفريخ قيادات جديدة وشخصيات مستقلة.
قد يتناسى البعض ممن رفعوا شعارات جريئة هذه المرة، بأن ذاكرة قواعدهم الانتخابية طويلة. لكنهم ربما يراهنون على مآلات حملة تخويف الناس من عواقب المطالبة بإصلاحات.
على الأرض، تجهد المؤسسات الرسمية، لحفز الأردنيين على الإقبال على الانتخابات الإشكالية يوم 23 كانون الثاني (يناير) الحالي. وتأمل السلطة في أن ترفع القوائم الوطنية معدلات المشاركة إلى ما فوق 50 %. والمواطنون يراهنون على دور الهيئة المستقلة للانتخاب التي ستشرف على الانتخابات للمرة الأولى، وعلى جيش من المراقبين الدوليين يتوقع أن يرفعوا صوتهم على الملأ في حال وقوع شبهات تزوير.
المسؤولون عن حال المسجلين في قوائم الانتخاب ومرشحي "العرس الديمقراطي"، يعرفون ضمنيا أن الانتخابات لن تحل الأزمة السياسية المستفحلة، لكن لا مجال للتراجع لأن الجميع سيخسر.
إذن، نحن أمام تجربة مقلقة لجهة ما ستفرزه من كتل وأسماء، وإمكانية تشكيل ائتلافات سياسية وحزبية قادرة على تنظيم نفسها والتشارك مع شخصيات مستقلة على أسس سياسية أو برامجية، بحيث تعدل ولو تدريجيا آلية تعيين الحكومات. فهل ستنجح في دعم تشكيل حكومة برلمانية بعد الانتخابات؟ وهل ستتغيّر تركيبة المجلس المقبل بعيدا عن غالبية محافظة ستلتقي مصالحها مع مصالح السلطة؟
لننتظر ونر، فالمعجزات قد تتحقق. وقد تشكّل الانتخابات اختبارا مفصليا لبدايات مسيرة إصلاح سياسي طال انتظاره، تترجم على أرض الواقع من خلال سلطتين تشريعية وتنفيذية قادرتين على توفير استقرار سياسي داخلي، ومأسسة حكومات برلمانية ما يزال مفهومها غامضا بين النظري والتطبيقي.
سنة جديدة مليئة بالوئام والسلام على الوطن ولكل الأردنيين.

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المزاج العام (نشمي ابو حمرا)

    الأربعاء 2 كانون الثاني / يناير 2013.
    هناك تيار كاسح من المواطنين الذين يترقبون يوم الانتخابات ليكون دورهم افشال رموز الفساد و النواب السابقين من فرصة الفوز, و يرون في ذلك رسالة مشروعة لاولي الامر انهم قد ضاقوا ذرعا بفرض رموز لم تصنعها المواقف, و انما صنعها الموقع الذي ارتبط بفساد الدور و الاداء.