محمد برهومة

سحب الشريعة من الأمة!

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

من الأفكار اللامعة التي يوردها المفكر فهمي جدعان في نقده للتجارب الحركية الإسلامية المعاصرة، قوله إنها "قليلة الثقة بالإنسان ونظرتها إلى التاريخ الإنساني غير متفائلة، والتاريخ يتجه عندها باستمرار نحو الأسوأ".
مهمة الأفكار الحرّة والفنون الراقية إثارة الأسئلة وخلق الدهشة، وتوليد الجدل والإضاءة على التفاصيل الصغيرة في حياتنا. وليس كل ما في الحياة، من ألفها إلى يائها، ينبغي أن يعبّر عن فلسفة، أو أن يندمج في أيديولوجيا؛ فالحياة أوسع من أن تُختزل في أيديولوجيا أو فكرة.
ولذا، من المهم للفكر الإسلامي المعاصر، وللتجارب الإسلامية التي وصل بعضها إلى السلطة في عدد من الدول العربية، أن تصغي إلى بعض النقاد الذين يرون أن علاقة الإسلاميين مع الثقافة والفن والأدب "مليئة بالروادع الذاتية، وأنّ الجانب الفردي أو الشخصي في التجربة الإسلامية يبدو مصادرا أو متواريا". وهو جانب لا يكتمل فن أو ترفيه بدون الإعلاء من شأنه والثقة فيه، مثلما لا يكتمل إيمان بدون تجربة ذاتية خاصة، تعبّر عن اقتناع عميق يسمو بالنفس ويهذبها ويحررها. وأزعم أن التجارب الحركية الإسلامية، وعلى رأسها تجربة الإخوان المسلمين، لم تقترب من تقديم مثل هذه المضامين التي تعبّر عن نماذج غنية من التدين الحرّ والناضج الذي يجعل من الإيمان قيمة إيجابية رافدة للخير والجمال وحب الناس، والإسهام في الارتقاء بعيشهم ورفض الوصاية عليهم. وأول الوصاية الشك في أهليتهم وصحة إيمانهم، وسلامة خياراتهم، وطريقة تعبيرهم عن ذواتهم وحرياتهم وأشواقهم الإنسانية. وقد نُقل عن أحد "الإخوان" قوله: "لولا جهاد الشيخ حسن البنا، لانتقل الإسلام ذاته إلى رحمة الله"!
لقد تعرّف الإنسان العربي إلى أهمية مصر وتأثيرها من خلال "قوتها الناعمة" التي تمثّلت في الأدباء والكتّاب والروائيين والشعراء، والجامع الأزهر ومكتبة الإسكندرية، وأهل الفن والموسيقى، والسينمائيين والأكاديميين الذين نسجوا على مدى سنين طويلة هوية مصر ومزاجها، ووضعوا معيار قوتها وضعفها؛ فهي تضعف حين تذبل قوتها الناعمة، وتقوى حين تبدع أكثر وتقدّم المزيد من أمثال رفاعة الطهطاوي وطه حسين وأم كلثوم ونجيب محفوظ وعبدالباسط عبدالصمد وفاروق الباز ويوسف شاهين.. فهؤلاء، وغيرهم كثيرون، هم أهرامات مصر الحديثة.
منطق "القوة الناعمة" يقوم على بذل الجهد في أن تكون جاذبا ومقنعا بدون إكراه أو قسر. لكنّ مصر التي خسرت جزءا كبيرا من نفوذها الإقليمي وقوتها الناعمة مع النظام السابق، وما انطوى عليه من فساد مالي وإداري وفشل سياسي وتنموي، تكاد تخسر اليوم ما تبقى لها من قوة ناعمة إذا ما قدّر للوعي السياسي والديني الذي يقدّمه "الإخوان" اليوم أن يسود وينتشر؛ فهو وعي لم يتعرّض لإصلاح ديني عميق، يمكّنه من الإسهام في تشكيل معنى العالم وعدم الإخلال بنبضه وإيقاعه. وهو أيضا وعي ينزع إلى الهيمنة والاحتكار والضيق بالآخر، إذ إنه في أفضل أحواله "يتسامح" مع الآخر والمختلف، بدون أن يصل إلى مرتبة القناعة بالتساوي معه، وليس مجرد قبوله تفضّلا ومنّة ممن هو "أعلى" و"أكثر استقامة" إلى من هو "أدنى" و"أعوز" إلى الصلاح والهداية والاستقامة!
إن نزع مهمة حماية الدين وصون الشريعة من الأمة، صاحبة الولاية ومصدر السلطات، وقصر هذه المهمة على حزب أو حركة أو حكومة ما، يقود، كما يقول بعض الباحثين "إلى سحب الشريعة من الأمة وإيداعها السلطة، وكأن الشريعة والدين دخيلان وخارجيان ويتسمان بالهشاشة والاغتراب عن المجتمع بحيث يحتاجان إلى تدخل دستوري من العيار الثقيل لحمايتهما. وهذا التدخل يقود إلى الكثير من الانحرافات المدمرة التي تعطل الوظائف الجوهرية للسياسة الفعالة من ناحية، ويشوه دور الأمة في احتضان الشريعة بشكلها العفوي ويعمل على تسييسها وتقسيمها".

التعليق