د.أحمد جميل عزم

إذا لم يكن العربي هو المشكلة.. فالإسرائيلي هو الحل

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

كلما قتلت رصاصة مدنيا في العالم، وخصوصا في الغرب، فإنّ الفرضية الأولى هي وجود يد لمسلم أو عربي. لم يختلف شيء على مدى عقود، إلا أن الاتهام لم يعد يوجه للفلسطينيين بطريقة تلقائية، كما في الماضي؛ بل أصبح البحث عن الأصولية، وأصبحت "القاعدة" هي الخيار التلقائي لافتراض المسؤولية عن أي حدث.
في الأيام الماضية، بثت كبرى محطات التلفزة الأميركية، مثل "ABC" و"NBC"، ونشرت صحف الولايات المتحدة الأهم، مثل "واشنطن بوست"، جدلا قوامه دعوة اللوبي المدافع عن استخدام المدنيين في الولايات المتحدة للسلاح (الجمعية الوطنية للبندقية)، إلى حماية المدارس باستخدام السلاح، مستشهدين بالنموذج الإسرائيلي في حماية المدارس من الإرهاب. بطبيعة الحال، تأتي الدعوة بعد حادث إطلاق النار في 14 من الشهر الحالي في مدرسة ابتدائية بولاية كونيتيكت، والذي قتل فيه 26 شخصا أغلبهم من الأطفال.
لسان الحال في هذه المعادلة أنّه إذا لم يكن أعداء إسرائيل هم المشكلة، فلا بأس من القول إنّ الإسرائيليين يقدمون للطفل والمواطن الأميركي الحل، في آلية تجعل، بطريقة غير مباشرة، الإسرائيليين جزءا من ضحايا المدرسة، وأعداءهم كأنهم في ذات التصنيف للمجانين الذين يستهدفون المدرسة الأميركية بدون سبب.
قدم الأميركيون الذين دعوا إلى استخدام النموذج الإسرائيلي دعاية مهمة للإسرائيليين، الذين بدورهم التقطوا اللحظة وقاموا بكثير من الترويج لأنفسهم. مسؤول اللوبي المذكور واين لي بيير، سرد للإعلام قائمة طويلة جدا من العمليات التي قال إنها إرهاب ضد مدارس الإسرائيليين وشبابهم، بدون أي ذكر للإرهاب اليومي ضد الطفل الفلسطيني في مدرسته، أو ما يفعله سلاح المستوطنين بالفلسطينيين كل يوم. أشار بيير لحالات الهجوم ضد طلبة إسرائيليين في أكثر من وسيلة إعلام، كما لو كان يقرأ من ورقة معدّة سلفا، فقد ذكر عملية "معالوت" العام 1974 قرب الحدود اللبنانية، ثم تحدث عن عملية في مدرسة دينية العام 2008 (ونشرت الصحف صورا تذكر بهذه العملية). ثم عاد وقال إن تسليح المدارس لم يحدث إلا العام 1995 بعد عقدين من عملية معالوت، وعامين من حادثة طُعن فيها خمسة تلاميذ وأستاذهم بالسكاكين في القدس. إذن، رُسمت صورة كاملة من الإرهاب الفلسطيني، وتم ربطها بالقتل الجنوني الذي شهدته كونيتيكت.
ويرد الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية ييغال بالمور، فيكمل المشهد بأن يعارض الدعوة إلى التسلح في الولايات المتحدة؛ ليظهر الإسرائيلي بأنه مسالم رافض للسلاح، وأنّه مضطر بشدة للإجراءات التي يقوم بها، إذ إنّ الوضع بحسب بالمور "لا يقارن أبدا بالولايات المتحدة"، وليقول "نحن نحارب الإرهاب الذي يأتي تحت ظروف محددة جدا جيوسياسيا وعسكريا". ويقول: لأنّ الهدف هو منع الهجمات الإرهابية، فإنّ نظام الأمن في المدارس هو جزء من استراتيجية متعددة الطبقات، تركز على الوقاية، ولا تعتمد على حارس مسلح على الباب. وأشار للأنشطة الاستخباراتية. بل وأصبحت حماية أطفال المدارس هي التي تبيح استراتيجية "جمع مكثف للمعلومات الاستخباراتية في الأراضي الفلسطينية (جيد أنه اعترف أنها فلسطينية)، وقوة عسكرية كبرى في الضفة الغربية، وحواجز وأبراج إسمنتية، وجدران إلكترونية على طول وداخل الضفة الغربية لتوفر خط حماية أول". ولتقول "واشنطن بوست": إن سياسات الإسرائيليين في تقييد حمل السلاح "بعيدة عن صورة أن المجتمع (الإسرائيلي) مسلح بكثافة حيث للناس العاديين ترسانتهم". وتسرد الصحيفة قيود حمل السلاح في إسرائيل.
لا يوجد خطاب شيطاني كهذا يربط بين الاحتلال وقتل أطفال أبرياء في بلدة أميركية، ويخفي من المشهد خمسمائة ألف مستوطن أغلبهم مسلحون، ومؤدلجون، ويعتدون كل يوم على البشر والحجر في فلسطين. ولكنه خطاب يعكس شبكة إعلامية، وجاهزية دبلوماسية إسرائيلية. هل يتذكر أحد من هو الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الفلسطينية؟ شخصيا، أتابع الإعلام فيما يتعلق بفلسطين كل يوم منذ سنوات طويلة، وأعرف متحدثين باسم "فتح" و"حماس"، يخصصون أغلب وقتهم لمهاجمة بعضهم بعضا بلغة عربية طلقة، ولا أعرف اسم متحدث فلسطيني يخاطب الإعلام الغربي. هل هناك جهة ستحتج على هذه التقارير التي لم تأخذ رأي فلسطيني رسمي أو غير رسمي؟ هل هناك من يهتم؟

التعليق