صناعة التاريخ في مصر

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

ما يحدث في مصر الآن لا يقل أهمية عما حدث في السابق من إسقاط للنظام؛ فالمصريون يؤكدون من خلال مقاومتهم تغول الرئيس المصري على السلطة أنهم لن يستبدلوا دكتاتورية علمانية بأخرى دينية ثيولوجية، فالأمر مع النظام السابق لم يكن رغبة بتغييره فقط بقدر ما أن ذلك كان ضرورة لإحقاق مطلب الحرية والديمقراطية والكرامة المجتمعية التي غابت عن مصر لعقود طويلة.
مصر ترسخ من خلال ما تقوم به قوى سياسية مختلفة، توحدت الآن في مواجهة السلوكيات غير الديمقراطية للرئيس المنتخب، أن المجتمع هو صاحب السلطة والقوة السياسية الأكبر والمسيطر عليها، وليس أي فئة أو حزب مهما بلغت شعبيته، وأنه لن يسمح لأيّ كان بالتغول على الحرية والديمقراطية باسم الديمقراطية والانتخاب أو من خلالهما. بهذا المعنى فإن ما يحدث في مصر ترسيخ عملي متقدم في أن ضمانة الديمقراطية والحرية في أن يكون المجتمع هو الوليّ على السلطة التي يعهد بها بطوعية لمن يتم انتخابهم ضمن شروط وحدود، أهمها احترام حقوق الأقليات، والحفاظ على حد أدنى من حقوق الإنسان، وترسيخ التداول السلمي للسلطة، وأن تحكم الأغلبية الأقلية ولكن من دون أن تستحوذ على السلطة.
تراجع الرئيس المصري عن الجزء الأكبر من إعلانه الدستوري أمر إيجابي ويحسب له كما حسب إصداره عليه، ولكن حجم الضرر الذي ترتب على الإعلان الدستوري المشؤوم على الأرجح لن يتم السيطرة عليه بيسر، فالأمر بحاجة لمزيد من الاحتواء بعد أن شكلت هذه المحطة حالة إنذار مبكر ومؤشر قرأه البعض على أنه بمثابة شهية خفية للسيطرة على السلطة واستبدال الدكتاتورية بواحدة جديدة دينية.
من حق الرئيس أن يرأس والكل يقبل بذلك، ولكن بما لا يمس ديمومة العمل الديمقراطي ومبادئه، وهذا ما لا يبدو أنه واضح أو ذهنية مترسخة عند الإسلاميين الذين يحكمون مصر الآن.  من أجل عودة الاستقرار لمصر واستمرار ديمقراطيتها الوليدة، تبدو الحاجة بائنة لمزيد من الخطوات من قبل الرئيس المصري في أن يقوم باتخاذ مواقف سياسية ويقدم تنازلات بهدف احتواء الموقف، وهذا لا يعيبه بشيء بل سيدخله التاريخ ويعلي قيمة الديمقراطية والحرية والتعددية التي تاق لها الشعب المصري.
وعلى الرئيس أن يقبل في أن يقدّم هو وحزبه التنازل السياسي الأكبر، حتى لو تطلب ذلك الموافقة على مطالب المعارضة بشأن أسلوب التوافق وإقرار مسودة الدستور والتصويت عليه الذي كان يفترض أن يمأسس حالة الديمقراطية المصرية ويشكل عقدها الاجتماعي الجديد لا أن يصبح سببا للخلاف والعنف.
أخطأ الرئيس المصري بإعلانه الدستوري، ولكن يحسب له التراجع عن ذلك، ويحسب له أيضا خطابه السياسي الاحتوائي بعكس العديد من أبناء حزبه، ولكن مطلوب منه المزيد من التنازل خدمة للديمقراطية المصرية والتعددية وتجنب الفوضى، فهذا هو ما سيجنب مصر الفتنة التي أطلت برأسها وأضعفت بشدة الوثبة المصرية التاريخية نحو التعددية والنماء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مشتاق (علاء بريك)

    الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    دكتور محمد مبدع كالعادة اشتقنا لمحاضراتك الرائعة التي كأنت لا تخلو من المعلومات الشيقه والمعاصرة للحدث العالمي