علاء الدين أبو زينة

25 عاما على انطلاقة "انتفاضة الحجارة"

تم نشره في الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

25 عاما مرت الآن على انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى المجيدة. ففي 8 كانون الأول (ديسمبر) 1987، اشتعلت الثورة الشعبية من جباليا في غزة، لتضيء فلسطين ست سنوات تقريباً. ولم تكن شرارة الانتفاضة حدثاً فريداً في التجربة الفلسطينية، فقد دهس مستوطن وحشي بشاحنته سيارة تقل فلسطينيين، فاستُشهد أربعة وجرح آخرون عند غزة. وقَتلُ الفلسطينيين طبع روتيني في الاحتلال ومستوطنيه. لكن ذلك الحادث كان "النقطة الحرجة" الفاصلة بين الاحتقان المتراكم، ولحظة الانفجار. ومن غير تحضير ولا توقُّع، عمّت الانتفاضة البلد والتحق بها معظم فلسطينيي الداخل وداخل الداخل، ومن كل الفصائل. وبينت الانتفاضة أن حالة المقاومة والاشتباك مع العدو، كفيلة دائماً بتحييد الخلافات الفرعية التي يضخمها الفراغ. وقد انخلقت في الداخل "القيادة الوطنية الموحدة"، وأخذ الشعب المنتفض المبادرة فحرّك "القيادة" من الفصائل التي أحبطها الخروج من بيروت في الخارج، وبث فيها الحيوية ورغبة الانخراط ثانية.
أيام الانتفاضة، استضفت في بيتي ذات مساء بعضاً من جرحى الانتفاضة الشباب. وقد صادف وجودي –مثل كثيرين غيري- لعيادتهم في "المستشفى الإسلامي" بعمان، اقتراح أحد إخراجهم من المشفى "لتغيير الجو"، واستأذنّا إدارة المشفى، وحملناهم -وبعضهم على الكراسي المتحركة. وفي تلك الأمسية، استعار الصديق الفنان عبدالحليم أبو حلتم عوداً، ورددّ الجرحى معه النشيد: "واصل يا فاسشتي حصارَك، نتحداكَ هُنا ونواصل..."
وسادت تلك الأمسية روح انتصارية بهيجة في عزّ الاشتباك المرير. كان الشباب الجرحى -أحدهم ناشته رصاصة في عموده الفقري وشلّت أطرافه السفلى- هم الذين يُنهِضون معنويات "الأصحاء". لم يُحبوا تقمُّص هوان الضحيّة، ولم يفصحوا عن شيء يستدرّ الشفقة. وحيّرونا! كنّا نريد أن نريهم كم نحن متعاطفون، فبدوا هم المتعاطفين مع المحرومين من مشاعر المشارك في الحركة الآملة التي تتعقب ضوءاً آسراً بإيمان عجيب. وبغير شاعرية، كانت "الحركة بركة". إنّ نفسية الذي يمشي مستكشفاً آملاً هي أفضل قطعاً من نفسية القاعد منتظراً موثق الساقين واليدين.
طوال فترة الانتفاضة الطويلة، تصدر الخبر الفلسطيني المشهد العالمي، ودخلت مفردة "الانتفاضة" المعجم الإنجليزي، لأنه ليس لمفهومها نظير هناك. وكان تزوير الواقع الواضح بكثافة مستحيلاً، فعرضت الشاشات المنحازة
–تقليدياً- إلى العدو دبابات الميركافاه في مقابل الفتيان العزّل سوى من الحجارة والكرامة. وأصبحت أيّ صورة ملتقطة من شوارع الانتفاضة "بوستراً" ومنشوراً. ومن ينسى صورة الفتى الذي يرمي حجراً على دبابة هائلة أمامه مباشرة؟ كان العنوان: "قهرَ الفلسطينيون الخوف". ويتحدث المنظّرون اليوم عن "النضال الجماهيري السلمي"، فأي شيء هو غير مثال الانتفاضة الأولى؟ وهل يسمح الفلسطينيون للفلسطينيين بالاحتجاج وإحراج العدو كما فعلوا آنذاك؟ ما هو توصيف النضال السلمي المطلوب، بعد إسقاط أحقية الكفاح المسلّح؟!
تساءلنا أيام الانتفاضة: ما طينة الآباء والأمهات الذين يخرُج أولادهم إلى الشوارع لمواجهة "الجيش" المدجج، فلا يحتجّون؟ لماذا نرتعب نحن إذا خرج أبناؤنا إلى بقالة مجاورة وقطعوا شارعاً، بينما وافق آباء الانتفاضة –أو تغاضوا- على احتمال إصابة الابن أو اعتقاله أو استشهاده؟ لم يكن أولئك الآباء بلا قلب، لكن حسابات غير اعتيادية سادت آنذاك –"معجزةً" بتعبير الشهيد غسان كنفاني، ولدت "من رحم اليأس، على غير توقع من أحد!"
استُشهد في الانتفاضة الأولى حوالي 1300 في ست سنوات تقريباً، بينما استُشهد في غزة أثناء عملية "الرصاص المصبوب" الوحشية حوالي 1550 شهيداً في 21 يوماً. وتذكرني هذه الأرقام بقصة روسية، عن قائد فصيل كان يؤمن بأن الشجعان لا يموتون. وفي مشهد معبّر، ينتزع القائد راوي القصة معه من حفرة أحدثتها قنبلة تحت القصف ويتقدمان. وبعد ثوان تنفجر قذيفة مدفع حيث كانا يشعران بالحماية في الحفرة، ويفهم الراوي كيف أن الشجاعة تُنقذ. ويذكِّر موقف حفرة القنبلة بموقف الفلسطينيين في "فض الاشتباك"، حيث يبقى احتمال الموت المادي بقذيفة؛ والمعنوي بإلإذلال وفظاعة الاحتلال؟!
انتفاضة 1987 بعد 39 عاماً من النكبة، و20 من النكسة، قالت إن الفلسطينيين لا يحبون الاحتلال ولا يبتلعونه، وينطوون دائماً على المفاجأة في عز اليأس. وتقول المصادر إن الانتفاضة الأولى المجيدة، خفتت سنة 1991، لكنها أُخمِدت بتوقيع "أوسلو" - 1993.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اطفال الحجارة (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    دعنا يا بني ان نسميها انتفاضة اولاد الحجارة .فجاء أولادنا ليصنعون ما عجزنا عنه نحن الكيار .ولنتلو الفاتحة والصلاة الربانية على كل شهيد وشهيدة ماتوا لأجل فلسطين .لا تزال ذكرى الأمهات ،وهن جالسات على الأرض ، وبأيدهن هاونات (جمع هاون ) كبيرة يكسرن بها الحجارة الكبيرة ليرميها اطفالهن بوجه الدبابات الكبيرة وهي تجتاز الأراضي المحتلة ..معظم هؤلاء الأطفال هم الأن في سحون العدو ، ينتظرون انتفاضة اطفال الحجارة ليحرروهم من المعتقل .فشكرا لك ياابن فلسطين بأنك من تبقى من هؤلاء اصحاب الضمائر الحية التي تذكرنا بالوطن المسلوب .