هاني البدري

وجع على طرفي الجسر

تم نشره في الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

"كلما اتسعت الرؤية.. ضاقت العبارة".
كنا قد وصلنا الى رام الله وهي تتأهب لغضب، حذرنا الإخوة من أن المدينة ستنتفضُ غداً حُرقة على غزة، "فلا داعي للخروج إلى شوارعها".
بعد ساعات قليلة من وصولنا لمتابعة فعالية إعلامية عربية، تختبئ وراء الإعلام كواجهة، فيما هي فقط..تحرك ذكي لكسر الحصار على فلسطين وأبنائها ولتعزيز مبدأ زيارة السجين لا السجان، بعد ساعات قليلة، جاءت الأنباء من عمان بقرار الحكومة رفع الدعم، وهوت قلوبنا خوفاً على البلد، فالأخبار تتسارع وموجة الاحتجاج تأخذ أشكالاً مرعبة، لم أكن أتوقع أن أراها يوماً في "بلد الأمن والأمان" والمواطن الوادع.
وفي عالم مدجج بعيون الإعلام في كل مكان، تصبح الرؤية أكثر وضوحاً كلما ابتعدنا..تتسع الرؤية، وتتكثف كل الأخبار البغيضة في بقعة ضوء على شاشة كمبيوترك، وتكاد تختفي الأخبار التي تعيد الأدرنالين إلى مستوياته الطبيعية، وضغط الدم إلى عادته، تَسْوَدُ الدنيا مرة واحدة.
أصبحت كل الأشياء القادمة على رأس دبوس، وبات توارد الأخبار المزعجة كنوبات الصرع المتلاحقة التي لا مجال لمنعها إلا بإغلاق العينين واستنشاق نفس يطول، حتى تهدأ النفس.
صديقنا هاني القدسي يسأل ضرار، هل ستهدأ الأمور، كان يدرك بداخله أن أحداً لا يمتلك الإجابة، لكنه مثلنا كان يبحث عن إجابة من حجم ونوع ولون محدد، تعيد له الروح، وتهدّئ من هلعه، لم يرَ الإجابة حتى في وجوهنا التي كانت تمثل الرزانة بركاكة.
أربعة أيام جافى النوم عيوننا إلا لماماً، كنا نرى في كوابيس الدقائق المعدودة من الغفو المحفوف بقلق الصحو، شوارع القاهرة وعشوائياتها، حوادث الاعتداءات في غياب الأمن بين القاهرة والإسكندرية، تراءت لي لوهلة مشاهد مرعبة رأيتها في أماكن أخرى من العالم العربي، وانتابتني صور البلطجة التي حكمت شوارع القاهرة وطرابلس، وأخذتني كوابيسي إلى الزعتري حين صورت فيلماً عن بشر كانوا يوماً أسياداً في قراهم الجنوبية وضياعهم الوفيرة.
في الطريق من رام الله إلى عمان اكتشفت كم نحن مسكونون بعشق عمان، وكم نرمي بدلالنا عليها حتى يكاد دلعنا يصبح جفاءً وَتَعَوداً وامتلاكا لمعنى لا ندرك قيمته إلا بفقدانه، في رام الله اكتشفنا أيضاً كم هي محبوبة عمان للآخرين.
 بقيت الأخبار تتراشق من ميادين عمان وأخواتها، وسقوف الغضب التي طالت استقرارنا، ومواقع الأخبار الالكترونية التي تتسابق في المانشيتات التي تزيدنا هلعاً، وظلت الكوابيس البغيضة تلقي بظلالها علينا.
سقطت صواريخ حماس جنوبي القدس، ورأينا أن وجوهاً متعبة تحمل كل هذا الغضب في شوارع رام الله وأزقتها،  تعجز عن امتصاص هلعنا، وبدأت اتصالات الأصدقاء من عمان بدورها لتطمئن علينا في فلسطين. ضحكنا لهذه المفارقات العجيبة فغادرنا وحملنا معنا وجعنا على موعد مع عمان بعد الكابوس.
كدنا لا نصدق أن عودتنا أعادت لنا قدرتنا على التأمل، وعلى اكتشاف أن الأيام الأربعة الأخيرة التي احترقت فيها أشياؤنا، وسقط فيها دم أردني غالٍ، ورشقنا الحجارة وأشعلنا إطارات الكاوتشوك، وفقدنا بوصلتنا، كانت ثمناً باهظا ندفعه نيابة عمن هربوا وأغلقوا هواتفهم النقالة في تلك الايام الأربعة الصعبة وحجزوا مقاعدهم في الدرجة الأولى إلى مدن العالم بعد أن أخرجوا جوازاتهم الأخرى، واطمأنوا على حساباتهم العالمية، قبل أن يقرروا العودة لاستئناف المزايدة علينا.
اكتشفنا أن الوجع الذي لا يبارحنا أينما حللنا هو من صناعة من أقنعونا بأن المواطنة واجب من طرف واحد، وأن الانتماء والولاء فرض كفاية وأن الكذب ملح الرجال .. فصدقنا.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »thanx (lana)

    الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    thank you hani
  • »شكرا (MAI)

    الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    مقال جميل و مليئ بالأحاسيس المتضاربة التي شعرنا فيها و نحن هنا في عمان , فازدواجية الضربة لم تغير في وحدة الخوف و القلق بين طرفي الجسر , و هذا دليل على أن الجسر بحد ذاته لم يكن يوما فاصلا بين فكرتين بقدر ما كان و لازال موصلا بينهما .. يعطيك ألف عافية أستاذي الكريم .
  • »ابدعت في التشخيص ..... (محمد البطاينه)

    الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ابدعت في تشخيص الحاله .... نعم هم المتلونون الذين يقتاتون على دماد الناس .... هم الطفيليون الذين يغيرون جلدهم لكل عارض يجد .... هم الافاقون الذين للاسف فتحنا لهم صدور بيوتنا ووطننا فباعونا في سوق النخاسه بدراهم معدوده .... لن الومهم كثيرا فالانذال موجودون دوما ولكنني الوم ابناء هذا الوطن الذين تركوا ارضهم نهبا لكل طامع وافاق ... اللوم علينا وثلين الحق علينا في هذه القضيه بالذات ... فنحن من نقول : المال السايب بيعلم السرقه ....
  • »العدو الداخلي (احمد بن علي)

    الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ما أكثر الأصحاب حين تعدهم *** لكنهم في النائبات قليل

    أتكلم أليوم و أنظر ألى ألأردن من وجهة نظر ألعدو
    لو أنني عدو و أبدأ بقصف ألأردن أظنه سيلتهي بعدوه الداخلي الذي يعشش داخله و أظن أن من كانو يملئون الشاشات بمؤتمراتهم الصحفيه سيختفون مثلما يختقي الملح في الماء
    كل ما حصل بأنه تم كشف أوراقنا للعالم و تم كشف من هو الشعب الاردني و تم كشف الطابور الخامس النائم و الذي يتحين الفرصه ليصتاد في الماء العكر
    عبد المطلب كان يعبد ألأصنام لكنه أمن أن للبيت رب يحميه
    ونحن أليوم نعبد من لآتنام عينه دون سواه
    و نقول و بكل أيمان يا أردن لك رب يحميك