دعونا نفهم: المعرفة جزء من الكرامة

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

طوال سنوات الأزمات الاقتصادية المتتالية، أثبتت الأحداث أن المجتمع الأردني يتمتع بمسؤولية عالية، وحالة من الانضباط الاجتماعي يندر وجودها. وهي الحالة التي عكسها الحراك الشعبي، رغم ضجيج الإضرابات وحركات الاحتجاج. واحد من أسرار تفسير هذه الحالة، هو توفر حد ما من الكرامة التي يشعر بها الناس في العلاقة مع الدولة والنظام السياسي، وهي الحالة التي طالما افتقدتها أنظمة مجاورة.
مدخل الكرامة الإنسانية، بأبعادها الاجتماعية والوطنية والفردية، موضوع واسع، وتتعدد فيه وجهات النظر. ولكن علينا قبل أن نسأل "هل تراجع شعور الأردنيين بالكرامة خلال الأشهر الماضية تحديداً؟"، أن نلفت الانتباه إلى أن الأمم المتحدة أعادت تعريف الكرامة الإنسانية في مطلع التسعينيات، وجعلتها أحد العناصر الأساسية في تعريف التنمية المستدامة، باعتبارها "أن يعيش الإنسان حياة أطول بكرامة"، بعيداً عن الجهل والمرض والإذلال، وبضمان للحقوق الأساسية، ومنها الحق في المعرفة.
أكثر من تطور وحدث مسّ مسألة الكرامة العامة للمجتمع خلال العامين الماضيين، ولكن أياً منها لم يصب المركز الحساس للكرامة بطريقة مباشرة. ومن هذه التطورات، تعثر مسار الإصلاح، والإصرار الرسمي على قانون الصوت الواحد رغم حالة شبه التوافق الوطني على تغييره، وعدم الأخذ بتوصيات لجنة الحوار الوطني، وتراجع مكانة القانون ودوره في الحياة العامة، واغتيال جهود اجتثاث الفساد، واستمرار منهج إعادة إنتاج النخب التقليدية.. كل تلك الوقائع أصابت الكرامة العامة، ولكن لم تصل بها إلى شعور بالإهانة.
مسألة لقمة العيش للطبقة الفقيرة، واستغفال الطبقة الوسطى في معاشها اليومي، هي الأكثر حساسية اليوم في ملف الأزمة الاقتصادية ورفع الدعم عن السلع الأساسية. والسؤال: كيف نحول دون أن تصبح عملية رفع الدعم والأسعار مسألة كرامة عامة؟ بمعنى، هل من فرصة أن لا يصل إلى شعور الناس وإدراكهم الجمعي أن الدولة تستغفل المجتمع، وتمارس تزييف الوقائع والأرقام، ما يقود إلى الاستنتاج أن الدولة تريد أن تتخلص من أزمتها المالية على حساب جيوب المواطنين وتحديداً الفقراء، وهي الأزمة التي خلفتها سياسات من الفساد، في الوقت الذي لا توجد أي ضمانات بأن لا تتم إعادة إنتاج هذا الفساد مرة أخرى؟
المشكلة أنه في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة لرفع الدعم عن بعض السلع، وعلى رأسها بعض المشتقات النفطية والكهرباء، في أجواء خطاب إعلامي رسمي نزق وانفعالي، تغيب الحقائق والمعلومات وسط حالة من الاحتقان الشعبي والتوجس والفوضى في المعلومات والتسريبات، وتحديدا أرقام الدعم والضرائب والهدر والفساد. هل صحيح أن الحكومة تستوفي ضريبة مبيعات على بعض المشتقات النفطية، وفي مقدمتها البنزين (44%)؟ وأي دعم تريد أن ترفعه إذن؟ ولماذا أسعار البنزين وفاتورة الكهرباء لدينا أعلى من دول مجاورة غير نفطية، مثل لبنان أو تونس؟ وهل تجاوزَ الهدر المالي الحكومي 20% فعلا؟ وما هو الحجم الحقيقي للتهرب الضريبي؟ وهل بالفعل تقوم شركات الكهرباء باستيفاء كهرباء الشوارع والفاقد؛ أي تسديد سرقة الكهرباء من فاتورة المواطنين؟
قائمة أسئلة طويلة، تقابلها فوضى في الأرقام، فيما يغيب الرقم الرسمي المسؤول والمُقنع الذي يمكن أن تجد من يدافع عنه؛ ما يدخل الناس عملياً إما في فوضى التقديرات، أو في تصديق المعلومات غير الرسمية الصادمة، وفي الحالتين يقاد الشارع المتوتر إلى نتائج وخيمة. المعرفة جزء من الكرامة العامة. ومن حق الناس معرفة حقيقة الأوضاع الاقتصادية في أضعف الإيمان كما هي؛ فاستغفال الناس وسط فوضى المعلومات، وفي موضوع لقمة عيشهم، يمس الكرامة في الصميم.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »amjderaas@yahoo.com (امجد)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    تحليل ممتاز ولكن الى متى سيبقى المواطن يدفع الضريبة عن عدم المعرفة على الرغم ان المواطن الاردني جزء من تفاقم الوضع لجهله
  • »وماذا عن واقعة تزوير انتخابات 2007 النيابية والبلدية ؟ (نضال طعامنه)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ما هو شعورك دكتور باسم عندما تصوت لمرشح ؛ فيذهب صوتك لمرشح آخر ؟ ألا تعتقد أن واقعة تزوير تلك الإنتخابات ـ ألمعترف بها رسميا ـ تنطوي على إهانة لمجمل الشعب الأردني , وتستحق بالتالي هذه الواقعة الإعتذار الرسمي من الدولة للشعب الأردني ؛ ما دام أنَّ هناك اعتراف رسمي بواقعة التزوير . طبعاً ستقول لي هنا هات الدليل على التزوير والإعتراف الرسمي ؟ هنا أقول لك : إليك به ! رئيس وزراء أسبق قال في سلسلة حلقات سياسي يتذكر عندما سُئل : وماذا عن الإنتخابات الأخيرة ( المقصود الإنتخابات النيابية عام 2007 / ؛ لأنَّ هذه الحلقة نُشرت في جريدة الغد بتاريخ 25 / 5 / 2010 / . قال ما نصه : " وقع التزوير في الإنتخابات الأخيرة جهاراً نهاراً " . رئيس وزراء سابق آخر قال : " أنا لم أزور تلك الإنتخابات " . أقرَّ بالتزوير ؛ لكنه لم يتحمل مسؤوليته . إنَّ واقعة التزوير هذه ترقى إلى مستوى ,لا الإهانة ؛ بل الفضيحة ؛ لأنك كمواطن سواء كنت ناخب أم مرشح عندما تنخرط في عملية , ويقال لك أنها نزيهة , ثم يثبت العكس فمن حقك إذاً أن تصف ما حدث بأنه يرقى إلى مستوى فضيحة سياسية , ولعل هذا التزوير ؛ بل هو السبب الذي دفع ثلاثة من قياديي جبهة العمل الإسلامي للتصويت داخل أروقة الجبهة إلى التصويت لصالح مقاطعة الجبهة للإنتخابات النيابية القادمة . والثلاثة هم : سالم الفلاحات , عبداللطيف عربيات وارحيل الغرايبة .
  • »الكارثة (يوسف حميدي)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الكارثة ان يكتشف الناس ان الدولة تريد ان تدفع ثمن الفساد من جيوب المواطنيين وإلا لماذ هذا الغموض وتعدد وتناقض الأرقام والفلسفة غير المفهومه حول ارقام الدعم ثم نكتشف ان اسعار البنزين مدعومه من المواطنيين
  • »عبقرية الأزمات (mohammad)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    استطاعت الحكومات الأردنية خلال العشرين شهر الماضية إدارة الربيع الأردني -إن صح التعبير- من خلال صرف انتباه الناس من ملفاة الإصلاح والفساد التي شكلت نقطة الارتكاز لكل معارض أردني إلى بحث الناس خلال الفترة ذاتها إلى تعميق الشعور لديهم بالحاجة إلى الأمن من خلال العديد من الملفات على سبيل المثال " سرقة السيارات" التي شغلت الكثير.
    من جانب يبدو أن الحكومة تروج دائما الكثير لكي تحصد منه القليل. فهي تروج إعلاميا للدعم الكبير الذي سترفع يدها عنه ليتحمل المواطن كل هذا الدعم مقابل مبلغ من المال لكل أسرة سنويا. بالتأكيد لن يكون هذا هو ما تريده الحكومة بل سترفع بما يراه المواطن أفضل الحلول الرحيمة.