عيسى الشعيبي

سورية عنان.. وسورية الإبراهيمي

تم نشره في الثلاثاء 23 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

لم تنتسب جمهورية في العصر الراهن إلى اسم رئيسها، حتى وإن كان قائد حرب تحرير شعبية طويلة، أو زعيم معركة استقلال وطني عظيمة. ولم تقارف مثل هذه النرجسية السياسية، سواء في قديم الزمان أو حديثه، دولة حتى، مرة أخرى، مثل كوريا الشمالية، التي تتوارث فيها سلالة كيم إيل سونغ مقاليد السلطة المطلقة، في سابقة تاريخية أغرت الحكام العرب المستبدين باستنساخها.
غير أن سورية، وحدها دون غيرها، تفردت بتسمية نفسها باسم "سورية الأسد"، الأمر الذي يوحي، وفق هذه التسمية، بعقد مقارنة بين ما كان عليه حال هذا البلد العربي الكبير في زمنين قريبين جداً؛ الأول عندما تولى عنان مهمة حل الأزمة المتفاقمة وسط تفاؤل حذر وآمال شحيحة، والثاني حين خلف السيد الأخضر الإبراهيمي سابقه دون أدنى تفاؤل بنجاح ما سماه الوسيط العربي الدولي بـ"المهمة شبه المستحيلة".
في شباط (فبراير) الماضي، حين شرع عنان في مهمته، كانت سورية قد دخلت طور تمرد مسلح راح يتسع باطراد مع كل انشقاق في صفوف الجيش. إلا أن الوضع العام لم يكن قد خرج بعد عن السيطرة؛ إذ باستثناء مدينة حمص وريفها، لم تكن الثورة قد حققت قاعدة ارتكاز صلبة، أو عبرت نقطة تحول نوعي، فيما كان النظام يراهن على مخزون فائضه العنفي لوأد الثورة.
لم يكن الأسد في زمن عنان قد أدخل سلاح الجو بكثافة إلى ميدان حربه ضد شعبه، معولاً على استخدام سلاح المدفعية والدبابات وارتكاب المجازر الوحشية المتنقلة، لإعادة ترميم حاجز الخوف الذي كان قد انكسر تماماً منذ أن حطم المتظاهرون تماثيل الأب وأحرقوا صور الابن أمام عدسات الهواتف المحمولة، في جرأة مدهشة لم تخطر على بال من حكموا الشعب بالحديد والنار، وأرهبوا الناس عقودا طويلة.
كانت النقطة الثمينة لدى حكم آل الأسد في زمن وساطة عنان، إبقاء مدينة حلب خارج دائرة الثورة، والحفاظ على وسط دمشق تحت قبضة أمنية صارمة، الأمر الذي منح ادعاءهم في الخارج بعض الوجاهة، بأن المسلحين هم عبارة عن مجموعات عسكرية مشتتة يمكن التعامل معها وعزلها عن محيطها، من خلال استخدام مزيد من القوة، والاتكاء على عامل الوقت، وهما عاملان لم يدرك الأسد أنهما كانا يلعبان ضده.
مع نهاية حقبة عنان القصيرة وبدء شروع الإبراهيمي في مهمة تعتمد على التخجيل والنوايا الحسنة، كانت حلب قد حققت واحدة من أهم التحولات النوعية في مسار الثورة. إذ أخذت المدينة الكبيرة تعلن تمردها الواسع، وتقتطع من سمعة النظام ومن صورته، بل ومن سيطرته على الأرض، مساحات راحت تتسع إلى الشمالين الحلبي والإدلبي، في مؤشر حاسم على حدوث انكسار مدوٍ في علاقات القوة الداخلية.
في زمن عنان، وقبله مصطفى الدابي، كان المتظاهرون يتعلقون بأهداب المراقبين الدوليين والعرب، ويتطلعون إلى أدنى هدنة أو انفراجة سياسية تخفف عنهم وطأة القمع الدموي، وتكبح جماح الشبيحة، وتعيد الألق إلى مسيرات يوم الجمعة السلمية. أما في زمن الإبراهيمي، فقد كانت الثورة قد انتقلت من طور الدفاع الموضعي إلى طور الهجوم الشامل شبه المنسق في عموم الجغرافيا السورية، الأمر الذي جعل المجالس العسكرية الناشئة لا تقبل الهدنة إلا بشروط تعجيزية معلنة.
وبفقرة واحدة، كانت الثورة في أيام عنان الطويلة تحاول إثبات نفسها بصعوبة، وتراكم بصعوبة أشد الكثير من نجاحاتها المتفرقة والقليلة، وتراهن بيأس على تدخلات خارجية مأمولة. أما في زمن الإبراهيمي، فقد غدت الثورة تملك زمام المبادرة، وتضرب في مفاصل النظام المتهالك بقوة، وتوحد مجالسها العسكرية، وتعتمد على ذاتها أكثر فأكثر، وتحرر المزيد من المدن والأرض، وتقف على بعد نحو عشرين كيلومتراً من شمال اللاذقية، حيث الملاذ الأخير للعائلة، وترفض هدنة كان من شأنها أن تمنح الأسد الجريح فرصة لالتقاط أنفاسه المتقطعة.
وبكلمة أخيرة، لم تعد "سورية الأسد" قائمة في الواقع، كما لم تعد في زمن الإبراهيمي تشبه ما كانت عليه في زمن عنان حتماً.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق