رنا الصبّاغ

أسطورة "الاستفتاء الشعبي" بعد الانتهاء من سجل الناخبين

تم نشره في الأربعاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

يستحق صنّاع القرار أن يهنئوا أنفسهم وهم يبلغون زوّار المملكة بأنهم نجحوا في إجراء "استفتاء" شعبي على الإصلاح السياسي، بوصول سجل الناخبين إلى حوالي 2.3 مليون مواطن من أصل 3.6 مليون يحق لهم الاقتراع. فهذا من حقهم (صناع القرار) الطبيعي، وجزء من رهانهم على تغيير تدريجي للحاق بركب الدول الديمقراطية في بلد يعيش غالبية سكانه بين خياري "حزب السلطة" و"حزب الإخوان"، وخيوط الشد بين ماض متحجر وبين الحداثة والتعددية.
ثم يؤكد المسؤولون التزام الملك شخصيا بتنفيذ إصلاحات سياسية بهدف تشكيل حكومات برلمانية من رحم مجلس النواب المقبل، بعد أن أمر بتعديل ثلث مواد الدستور، وصولا إلى تأسيس محكمة دستورية وهيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات وضمان نزاهتها. وفي السياق، يوجهون اللوم لجماعة الإخوان المسلمين على مقاطعتها للانتخابات، معتبرين أنها بذلك "تسيء تقدير حساباتها بشكل كبير"، حين تصر على تفصيل قانون انتخاب على مقاسها لا على مقاس الأردنيين. ويجادل مسؤولون بأن غالبية الشعب تؤيد قانون الصوت الواحد، بحسب استطلاعات رأي "داخلية" وأخرى "علنية". ويختمون حججهم بأن البرلمانات السابقة، وغالبية الحكومات المتعاقبة، هي من عملت ضد التغيير والإصلاح الشامل، بعكس رؤية وطموح الملك عبدالله الثاني، بدون أن يشرحوا كيف تمت وتتم عملية الانتخابات والتعيينات.
هنا تنتهي الرواية الرسمية. ومن السهولة أن يصدقّها من لا يسكن في الأردن، أو من يزور البلاد ضمن وفود رسمية سريعة، لا تتوافر لها إمكانية الاستماع لآراء أخرى.
هؤلاء لا يشكّون بما يسمعون. فالذي ينظر إلينا من الخارج يرى بلدا ناجحا بكل المقاييس في تحقيق تنمية شاملة تفوق ما تحقق في دول تمتلك موارد طبيعية ونفطا. وهو يعيش أجواء أمن واستقرار، باتت نعمة نحسد عليها بالمقارنة مع فوضى ودموية تعيشها دول مجاورة تمر بمرحلة الصحوة العربية.
وبالطبع، تستحق أجهزة الدولة الرسمية ذات اللون الواحد سماع إطراء زوارها من داخل الأردن وخارجه حيال "الأنموذج الأردني" الذي تروج له.
فترة التسجيل للانتخابات، بغض النظر عن تمديدها مرتين، نجحت في إنجاز سجل نظيف للناخبين بعد عقود من التزوير. وتعكس أرقام الناخبين المسجلين "حرص فئة واسعة من أبناء شعبنا ورغبتهم في المشاركة بفعالية وبشكل مباشر في معالجة مختلف التحديات التي تواجهها البلاد وعبر المؤسسات والقنوات الدستورية"، بحسب التصريحات الرسمية.
لكن زوارنا لا يعلمون بأن هذه المرحلة -على أهميتها- ليست سوى محطة على طريق طويلة لاستعادة النزاهة المفقودة في العملية الانتخابية. ولا يدرون بأن الإقبال على التسجيل قد لا يعكس حماسا للاقتراع، بقدر ما هو استفاقة مواطنين شعروا بأن بلدهم زج في مكاسرة إرادات بين تياري السلطة والإخوان، على حساب المصلحة الوطنية. ولا يعني ذلك أيضا ضمان نسبة مشاركة مرتفعة في الانتخابات، بخاصة إذا لم تلتزم الأطراف المعنية، مثل الحكومة وأجهزتها، بضمانات النزاهة في جميع مراحل العملية الانتخابية.
ولا يدري زوارنا بأن المؤسسات الرسمية جاهدت في سبيل تحقيق نسب التسجيل هذه، مستخدمة جميع الطرق المشروعة لتشجيع المواطنين على الانتخاب، بعد أن نجح خطابها الرسمي وأجهزتها الإعلامية في تقسيم المجتمع بين "ضد الوطن والنظام" أو "مع الإصلاح السياسي المبرمج"، ومنع الإسلاميين من الاستئثار بالسلطة عبر صناديق الانتخاب، بصفتهم القوة الأكثر تنظيما، وليس بالضرورة الأكثر شعبية. ولا يدري زوارنا بأن هذه المؤسسات الرسمية قد لعبت على وتر الخوف والقلق الشعبي المتنامي نتيجة الظروف الإقليمية الصعبة، كما لعبت على شيطنة الإخوان، وحتى التهديد بـ"سحب الأرقام الوطنية" ممن لا يسجل في القوائم الانتخابية. وقد لا يعرفون أيضا بأنه طلب من موظفي القطاع العام؛ الحكومة ومرتبات الجيش والأجهزة الأمنية، التأكد من أن جميع أفراد عائلاتهم سجلوا في كشوف الناخبين. ولم يسمعوا بأن رجال ونساء دائرة الأحوال المدنية زاروا شركات القطاع الخاص والصحف وغيرها من المؤسسات الكبرى في العاصمة وسائر المدن ذات الكثافة السكانية المختلطة، لتسجيل موظفيها وأفراد عائلاتهم. الأهم أنهم لم يسمعوا عن تساهل أجهزة الدولة مع مترشحين وأصحاب المال السياسي الذين حاولوا شراء بطاقات من الناخبين و/ أو احتجاز الآلاف منها في خرق للقانون، مستغلين ظروف المعيشة الصعبة وغياب الحزم في التعامل مع التجاوزات. ولا يدرون ربما بأن الدولة وأجهزتها الرسمية التي ساهمت في تسميم أجواء انتخابات 2007 و2010 غضّت الطرف عن هذه الممارسات.
لا يعرفون أيضا أن الهيئة المستقلة حقّقت في شائعات وشكاوى عن ممارسات مشبوهة وصلتها مباشرة أو عبر تحالف منظمات المجتمع المدني "راصد"، وصوّبت الخلل عند اكتشافه. لكنها بالنتيجة لا تمتلك أدوات قوات أمن خاصة بها لفرض القانون.
أيدري زوارنا مآلات الانتخابات القادمة حين تجرى وفق قانون الصوت الواحد زائد 27 مقعدا لقوائم انتخابية على مستوى الوطن؟ أيدركون أن هذا القانون ساهم في تخلف حياتنا السياسية منذ بدء تطبيقه العام 1993، بهدف كسر شوكة التيار الإسلامي المعارض لمعاهدة السلام مع إسرائيل، والتي أبرمت في العام 1994؟
أيدرون بأن مجلس النواب المقبل سيشبه في الشكل والمضمون جميع المجالس المطواعة منزوعة الدسم السياسي، والتي كانت غالبية نوابها مطية جاهزة في جيب الحكومات تارة، وتارة أخرى في أيدي الأجهزة الأمنية، التي ما تزال تتدخل في تفاصيل المشهد السياسي الداخلي وتملك أدوات نفوذ وتأثير وتعطيل وتخويف هائلة؟
ألم يسمعوا أن أصحاب القرار قررّوا العودة إلى عصر ما قبل الربيع العربي بوجود 20 "معتقل حراك" أو "معتقل رأي"، وفرض قانون مطبوعات جديد للجم المواقع الإلكترونية، ترفض غالبية العاملين في هذا القطاع الامتثال لتعليماته، ويتقبلون التعازي بوفاة "الحريات الاعلامية" في خيمة اعتصام مفتوح منذ أسابيع؟
ألا يدرون بأن رئيس الوزراء الجديد د. عبدالله النسور دخل الدوار الرابع من مقاعد المعارضة المحسوبة على النظام، وهو يعرف مسبقا أنه مكبل الصلاحيات بفعل التعديلات الدستورية وبسبب عامل الوقت، ذلك أنه سيغادر بعد الانتخابات التشريعية؟ ألا يدركون أن النسور غير قادر على تعديل قانون الانتخاب لتشجيع الإسلاميين على المشاركة في "العرس الديمقراطي"، أو تأجيل الانتخابات إلى حين الوصول الى تفاهمات معهم؟ كما أنه غير قادر على مقاومة قانون المطبوعات والنشر، ولا حتى الإفراج عن "معتقلي الحراك".
ألا يعرفون أن الرئيس غير قادر على رفع الدعم عن البنزين والكهرباء وسلع أخرى، وتعديل النظام الضريبي حسب تفاهم الحكومة السابقة مع صندوق النقد الدولي لإنقاذ الأردن من أزمته الاقتصادية، بانتظار وصول "شيك" نسمع أن دولة خليجية وضعته في البريد منذ أربعة أشهر؟
ألا يعرفون أن غالبية المسؤولين يعيشون حالة من إنكار الواقع، ويتعاملون مع كل ملف متفجر على حدة بدون استراتيجية واضحة و"خطة ب"، على أمل شراء الوقت والإبقاء على سياسة الأمر الواقع مع مساحيق تجميل، في غياب توافق مجتمعي حول الإصلاح السياسي والاقتصادي؟
نأمل أن يدركوا أن غالبية الأردنيين يدعون الله سبحانه وتعالى ليل نهار لحماية وطنهم ومستقبله وأبنائهم من الشرور المتطايرة هنا وهناك، ومن البطانة وسائر رجال الحكم ممن يصرون على ممارسة التضليل والتطبيل والتزمير إلى حين الخروج من مناصبهم.

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أظن أنهم يعرفون، وبعضهم بات يدرك أن الاصلاح متعثر (يافا العجمي)

    الأربعاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    أستاذة رنا، دعيني أحييك قبل التعليق على مقالك هذا، فأنت من أهم الصحفيات العربيات ونفخر بك وأتذكرك جيداً وأنت تنزلين إلى الشارع وأنت حامل لتغطية الأحداث، بما فيها المظاهرات، ونثمن دورك النشط في تشجيع الصحافة الاستقضائية.
    بالنسبة لمقالك المهم اليوم، أعرف أنك بسرد سلسلة أسئلتك الذكية لا تتسألين بقدر ما تؤكدين على ما يجب أن يعرفه زوار المملكة حتى يكون فهمهم واقعياً وحتى لا يكونوا ضحايا النظرة الآحادية، وتبنين عن طريق تلك الأسئلة رواية بديلة للرواية الرسمية "التجميلية". أظن أنهم يعرفون، والدليل على ذلك التقارير في أهم الصحف الأجنبية مثل الايكونوميست (أوباما يقرأها دائماً) واللوموند ديبلوماتيك والنيويورك تايمز... وحتى تقارير المنتديات الفكرية المؤثرة في صناعة القرار. السؤال المهم ماذا سيفعلون بما يعرفونه عن أوضاعنا؟ أظن أن هناك قلق عند بعض الزوار المهمين وبعضهم يقترحون أفكار تشبه مطالب الحراك وبعضهم يضغط، وأظن أن بعض الزوار يدركون أن الاصلاح في الأردن لم يعد ترف وأن هناك مأزق حقيقي لم تعد الشيكات قادرة على حله.