كسر ثنائية "الدولة والإخوان".. مهمتنا جميعا

تم نشره في الأربعاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

في كل مرة يتناقش فيها المواطنون حول قضية الإصلاح السياسي وشكل الأردن المنشود، ينتهي بهم المطاف إلى طريق مسدودة، مع تبادل اتهامات تبدأ بـ"السذاجة السياسية" وتنتهي بالتخوين والردح والتشهير. معادلة خطرة، تعكس جهل العديد بخيوط اللعبة، وقلقهم حيال المستقبل.
النقاش الذي يدور في الشارع والمقاهي الشعبية، وبيوت الفرح والعزاء، ينسحب كذلك على سهرات العشاء، الباذخة منها والبسيطة، انعكاسا للعقلية المسيطرة على مفاصل صنع القرار المدعومة من غالبية وسائل الإعلام "المرعوب". مفهوم استقطابي يكرس بدوره مواقف المسؤولين القديمة في الذهنية المجتمعية: أنا أو الطوفان.
وينتهي النقاش لمصلحة سيناريوهين رئيسيين كليهما يشلاّن الحراك نحو التغيير، ويشجعان الدولة على الاستمرار في سياسة الأمر الواقع، مع تغيير النهج شكلا وليس مضمونا. وفي المحصلة، يجري احتواء مطالب الإصلاح والالتفاف عليها، مع الاعتداء على حقوق المواطن الدستورية.
ليس غريبا أن يبدأ السيناريو الأول وينتهي بفزّاعة "التهديد الديمغرافي" لهوية الدولة السياسية من النصف الآخر للمجتمع. يفاقم الخوف عدم تغيير قانون الجنسية البالي، بحيث يأخذ بالاعتبار وجود سلطة فلسطينية منتخبة في الضفة الغربية، ووضع حد فاصل بين "المواطنة" و"التوطين"، وبالتالي طمأنة مكوّن رئيس في المجتمع الأردني مسكون بالقلق على مستقبله. أما السيناريو الثاني، فيكمن في الرهان على "نقيضين" متقابلين؛ الحكم القائم من جهة، والحركة الإسلامية وأسلمة الدولة من جهة أخرى. فهناك "حزب الدولة" الذي يعطي الانطباع باستمرار الاستقرار الزائف غير القابل للاستدامة، مدعوما بنظام اقتصادي-اجتماعي "رعوي"، لإبقاء السكان مأسورين بالوضع القائم على حساب حقوق أساسية للمواطن. سياسات تبقي اعتماد بعض المكونات المجتمعية، بما فيها الأقليات المستفيدة، على تحالفها مع فئات تعطيها بعضا من حقوقها، وتؤمن لها نظم حياتها الذي تعودت عليه على حساب جل حقوق المواطنين المهمشين. في المقابل، يطرح خيار "الإخوان المسلمين"، وما يرافق ذلك من مخاوف من التغيير الفوضوي للسياسة العامة الأساسية التي تتشكل حولها القوانين والتشريعات والحياة السياسية، ومحاولة مس التنوع الديني والفكري والعرقي. فزّاعة تنبع من قناعات مستوحاة من دول عربية أخرى، تؤكد أن الحركات الإسلامية ستنقضّ على الديمقراطية بعد الوصول إلى السلطة لتمارس "الدينوقراطية".
لكن بين هذا الخيار وذاك مساحات شاسعة للخروج من دائرة المناورات الرسمية والإخوانية المبرمجة؛ للابتعاد عن دائرة الإقصاء. ذلك يتطلب فتح نقاش مجتمعي تنويري موضوعي، قائم على قبول الرأي الآخر، وطرح خيار ثالث يتجلى بدولة مدنية ديمقراطية قائمة على الكفاءة وحق المواطنة لكل أردني يحمل رقما وطنيا، بغض النظر عن أصله وفصله، وعرقه أو دينه.
في تونس ومصر بعد الثورة، بدأت أحزاب تقدمية وسطية أو ذات توجه قومي في تشكيل جبهة سياسية لدولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية، نتيجة خوفها من ممارسات الإخوان الذين وصلوا إلى السلطة لأنهم القوة الأكثر تنظيما، وليس بالضرورة تمثيلا.
في المقابل، قدّم آخرون تيارا ثالثا يسعى إلى إنقاذ العباد من مطرقة "الفلول" وسندان "الدكتاتورية الدينية"، من باب أن الجانبين يسعيان إلى الاستئثار بالسلطة بدلا من أن يستمدوا السلطة من إرادة الشعب.
والمأمول أن يتبلور حراك مماثل في الأردن، يخرج عن إطار الحوارات النخبوية أو "الترف البرجوازي" قبل الانتخابات التشريعية مطلع 2013. مثل هذه المبادرة ستشجع على كسر الثنائية السياسية المرعبة، عبر خلق نواة لعملية إصلاح جاد تفضي إلى توسيع قاعدة صنع القرار، وحماية الدولة عبر تقاسم السلطات والعمل على تنمية اقتصادية مجتمعية مستدامة، تشمل جميع المواطنين، لاسيما الغالبية المهمشة من نساء وشباب.
حوار وحراك وطنيان يضمان من هم داخل السلطة وخارجها من موالين، ومعارضين، ومدنيين، وإسلاميين، ووطنيين تائهين سياسيا، ويقوم على إدراك الجميع استحالة احتكار السلطة بعد اليوم.
في القرن الواحد والعشرين، لا مكان إلا لدول مدنية ديمقراطية، تحكمها مؤسسات وقانون يطبق على الجميع. فغالبية المواطنين الأردنيين، حالهم حال أقرانهم حول العالم، ينشدون الخبز، والحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة. هذه الرغبات الأساسية توفر أرضية صالحة لبلورة مشروع سياسي متكامل، تتبناه الأحزاب والحراكات التي تريد أن يكون لها دور في المستقبل، سواء أكانت إسلامية أم قومية أم حداثية. وبذلك ينتقل الجدال من صراع على هوية الدولة غير القابل للحسم في ظل غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، إلى صراع لتثبيت حقوق المواطنة.
العديد من دول العالم المتقدم مرّت باضطرابات سياسية ومجتمعية مماثلة قبل الوصول إلى توافق سليم حول أسس تداول السلطة من خلال أحزاب ذات برامج واضحة. ونستطيع التعلم ممن سبقنا، بدون ممارسة التقليد الأعمى أو الاصطدام بجدلية مغزى قيام دولة مدنية ديمقراطية قبل وقف تفشي الأمية، والجهل، وعقلية الرعاع، والفقر، والمال السياسي، وتنامي الفجوة بين المهمشين والميسورين.
هكذا دولة مدنية تكفل حق الشعب في السيادة والديمقراطية وحقوق المواطنة المتساوية بين الجميع، رجالا ونساء؛ تحمي الحريات وحق ممارستها، وتكون فيها السلطة مدنية: لا دينية أمنية، ولا عسكرية أمنية، ولا عشائرية، ولا طائفية، ولا عرقية. دولة ما من مرجعية فيها إلا الدستور والقانون الذي يصنعه المواطن ليكون عقدا اجتماعيا توافقيا. كما تكون الدولة محايدة إزاء المعتقدات، وتكفل حق كل مواطن في ممارسة شعائره الدينية بحرية دون قيود، وتقر بأن لا تمييز بين المواطنين على أساس الدين، أو المذهب، أو الجندر، أو العقيدة.
غياب ذلك يعني الدوران داخل مؤسسات ما قبل الدولة، يعني البقاء في إطار تجمعات سكانية إقليمية طائفية عشائرية ضيقة، ولاؤها للأوعية المجتمعية التي تنتمي إليها، بعيدا عن "الانتماء المواطني" وقوامه الحرية الفردية التي تؤدي إلى حرية أوسع للمجتمع في إطار دولة القانون والمؤسسات وتقاسم السلطات.
غياب ذلك يعني استمرار ملايين الأردنيين بوضع أيديهم على قلوبهم خوفا وقلقا على المستقبل!

rana.sabbagh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شو أنا مبسوطة على ثنائية الدولة والأخوان (ساندرا العازمي)

    الأربعاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    بتعرفي أستاذة رنا أنا كثير مبسوطة على ثنائية الدولة والأخوان لأنهم بيخلوا دائرة الحرية والثقافة والفكر بالبلد غير مزدحمة ورواق. يعني مش مضطرين نختلط بثنائية "ما قبل الدولة" و "ما قبل الحداثة". أحلى شي! الحقيقة هي ليست ثنائية وإنما فردية "ما قبل الحضارة".