ماجد توبة

شروط تشكل التيار الثالث لم تنضج بعد

تم نشره في الاثنين 8 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

تنشغل نخب سياسية وثقافية وإعلامية أردنية بقضية استحواذ تياري "الدولة" والحركة الإسلامية على صدارة المشهد المحلي، وسط صراع وسلسلة أزمات متتالية، تبدو فيها باقي المكونات السياسية والثقافية خارج حسبة الطرفين، وخارج دائرة القدرة على التأثير.
هذا الجدل الأردني، الذي يتصدى له مثقفون وسياسيون ليبراليون ومستقلون ومن التيار القومي اليساري، ليس جديدا في الواقع، وليس حكرا على الأردنيين أيضا؛ فهو عربي أساسا، ولم يبرز سؤاله بهبوب رياح الربيع العربي، وإن كان الأخير، بما حمله من تغييرات استراتيجية وعميقة في بنية الأنظمة السياسية في مصر وتونس وليبيا، قد أعاد إحياء هذا السؤال بقوة، وفرضه على أجندة الجدل والحراكات العربية.
المثير، عند استعراض الخطوط العامة لهذا الجدل لدى المشتبكين مع هذا السؤال، من مثقفين وسياسيين، هو وقوع العديد منهم إما في خانة الاستقطاب بين التيارين المعنيين، الدولة والإخوان، أو ضحية لحالة الاستقطاب بين التيارين الدائرة اليوم على أشدها.
ورغم أنه مثير، إلا أن الأمر مفهوم مبدئيا؛ بمعنى أنه يمكن تفسيره موضوعيا. فحالة الاستقطاب بين قوتين سياسيتين كبيرتين منظمتين، ولهما امتدادات شعبية، أو سمها جماهيرية، لا تترك في الغالب فضاء لقوى أو تيارات ضعيفة ومشتتة، فيما يمكن تسميته "المجال الحيوي" لكل من التيارين الرئيسيين. لذلك، تكاد تختلط اليوم الصفوف بين تلك القوى والشخصيات والمثقفين، سواء إلى جهة تيار الدولة أو إلى جهة تيار المعارضة الإسلامية.
ينطبق ما سلف إلى حد كبير على الحالة الأردنية. وربما كان الجدل والموقف من المسيرة الأخيرة للحركة الإسلامية والحراكات الشعبية، وما رافقها من استقطاب حاد ومكاسرة، خير مثال على قصة المجالين الحيويين لقوتين كبيرتين منظمتين، لا يمكن بطبيعة الحال للقوى والأشخاص المشتتين إلا الدوران حول واحد منهما. لذلك، تظهر في مثل هذه المفاصل السياسية حالة فرز وتحشيد غير مسبوقة بين المعسكرين، يكاد لا ينجو من الانحياز لأي منهما أحد!
حدث ذلك في مصر وتونس خلال فترة الثورة على النظامين السابقين فيهما، ومثله حدث في اليمن، وليبيا وسورية إلى حد ما، عندما انقسمت الساحة بين التيارين الرئيسين: الدولة/ النظام السياسي ونخبته الرسمية، والمعارضة الإسلامية المتحالفة مع التيارات والقوى الثقافية اليسارية والليبرالية والمستقلة عن نخب الأنظمة.
إن بحثنا، بعد هذا التقديم، عن جواب لسؤال الحاجة إلى تيار ثالث وشروط تحققه، هو جواب قد يتوفر اليوم في الساحتين المصرية والتونسية، رغم الاختلاف النسبي عن الحالة الأردنية إلى حد ما. فمرحلة المخاض/ الثورة في الحالتين المصرية والتونسية فرضت فرزا واضحا للصفوف، وطحنت باستقطابها أغلب الفاعلين والمندمجين في الصراع السياسي بين التيارين الرئيسيين، لينتقل الجميع اليوم إلى مرحلة جديدة لا تخطئها عين.
المرحلة اليوم في مصر وتونس، وليبيا إلى حد ما، هي مرحلة صعود التيار الثالث، وفرز الخيارات البديلة المنافسة للتيارات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة، واشتبكت مع استحقاقات السلطة والواقع وتحديات التنمية. والقضية اليوم ليست قضية منافسة أو رغبة في المناكفة أو الصراع مع التيار الإسلامي من قبل حلفاء الأمس في الثورة؛ التيارات الليبرالية واليسارية والقومية، بقدر ما هي حاجة موضوعية وتطور طبيعي.
التنوع السياسي والأيديولوجي والاجتماعي والثقافي أمر لا تستقيم الحياة بدونه، وانزلاق التيار الإسلامي إلى إعادة استنساخ تجارب تيارات قومية ويسارية وليبرالية عربية سابقة في السلطة المطلقة بالحكم، لن تترك أمام التيار الثالث إلا التقدم للاشتباك مع التحدي الجديد القديم، وتجميع صفوفه المشتتة.
قد يبدو الخروج اليوم من المجال الحيوي لكل من التيارين الأكبر في الساحة السياسية أمرا متعذرا، خاصة وأن المعارضة الإسلامية تلتقي اليوم مع طيف واسع من القوى والتيارات السياسية والاجتماعية الأخرى، من خارج إطار النخبة السياسية الرسمية، في رفض ما تمخض عنه منتج الإصلاحات الرسمية بصورتها النهائية.

majed.toba@alghad.jo

التعليق