جهاد المحيسن

نصف مليار دينار لا غير!

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

نحن لا نعترف بأخطائنا كشعوب وأفراد، ونحمّل جل مشاكلنا السياسية والاقتصادية، للدول والأنظمة الحاكمة، ولا نستطيع أن ننفي دورها في قيادتنا إلى ثقافة الاستهلاك.
 لكننا نتحمل الجزء الأكبر عندما نركن الى الاستهلاك ونترك الإنتاج، ونتيجة لذلك أصبحت أدوات السيطرة التي تمتلكها الدول هي التي تسيّر دفة حياتنا، لكي تقف السلطة على كل تفصيلة من تفاصيل المعيشة اليومية للمواطن، وبذلك يسهل توجيهه للوجهة التي تخدمها، وتنزع منه حرية الاختيار السياسي وتقطف ثمار صمته، عندما يريد التعبير نتيجة لهذا النوع من السيطرة التي تبعده عن الإنتاج.
لا تُسهم كل الاكتشافات والاختراعات برفع مستوى الحياة البشرية، ولا ينحصر دور تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال بتحقيق التعارف والتكامل بين البشر. بل إن في الاختراعات ما يفتك بالحياة البشرية، وفي وسائل الاتصال ما يعزز العزلة والتنافر ويدمر قيم المجتمعات المستهلكة لصالح قيم المجتمعات المنتجة.
فإذا أردت أن تقتل مجتمعا وتضعفه وتنهكه وتفقده الاتصال بمصدر القوة الحقيقي على وجه الأرض فاجعل تقييم الناس للناس فيه من خلال ما يستهلكون، لا على أساس ما ينتجون. نعم عندما يُربى المجتمع على أن قيمة الإنسان فيه تقاس بما يستهلك لا بما ينتج تموت في المجتمع أهم خصائص نجاحه.
وعندما تكون قيمة الإنسان فيما يلبس وما يأكل وما يشرب، وعندما تكون قيمة الرجل في البيت الذي يقطنه والسيارة التي يقودها، وعندما تكون قيمة المرأة في ما ترتدي من ملابس ومجوهرات، عندها تصبح لغة المجتمع ولسان حاله "قيمتك يا أيها الإنسان هي ما تستهلِك".
وعندما تصبح هذه هي اللغة السائدة في أي مجتمع كان، تموت روح الإنجاز والإبداع، وتموت بذلك قيمة العمل. وعندما ينشأ الجيل منذ نعومة أظفاره على هذه اللغة والمفهوم الفاسد تتكون لديه عقيدة متأصلة يؤمن بها ويطبقها في تقييمه الخاطئ للبشر؛ فلا عجب أن نرى الشباب يتهالكون في التنافس على الاستهلاك ليزيدوا من قيمتهم بالمفهوم السائد كما عرّفها لهم مجتمعهم الاستهلاكي.
وقد سجّل التقرير الذي أعده الزميل إبراهيم المبيضين، وفيه بيانات رسمية من الشركات الخلوية (خدمات الصوت والرسائل والخدمات الاضافية)، وأجهزتها (أجهزة الهواتف الخلوية)، أن إنفاق الأردنيين على الخدمة الخلوية وأجهزتها خلال النصف الأول من العام الحالي بلغ 513.2 مليون دينار (أكثر من نصف مليار دينار). وتظهر البيانات الرسمية أنّ إجمالي الإنفاق تراجع بنسبة 5 %، وبمقدار 24 مليون دينار، وذلك لدى المقارنة بإجمالي إنفاقهم المسجّل خلال فترة النصف الأول من العام الماضي عندما بلغ 537.5 مليون دينار.
ذلك يؤكد حقيقة أننا مجتمع مستهلك بامتياز وينبذ قيمة العمل والإنتاج، لذلك سوف نبقى مرهونين لرغباتنا وغير قادرين على التقدم إلى الأمام، ولذلك ايضا من السهل جدا السيطرة علينا وتوجيهنا بالطريقة التي تفرضها قيم الاستهلاك!

Jihad.almheisen@alghad.jo

التعليق