سورية: العسكري في مواجهة السياسي

تم نشره في السبت 29 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

في حدث نادر منذ اندلاع الثورة السورية قبل ما يزيد على ثمانية عشر شهراً، أعلن مسؤول سوري رسمي -وليس "صحفيا" أو "محللا" أو "كاتبا" كما جرت العادة- عن أن "العمل العسكري في مواجهة المجموعات الإرهابية المسلحة التي اجتازت الحدود وأصبحت تؤرق حياة المواطنين والدولة، يتقدم بشكل مرض، حيث يمكن لمس تقدم في ذلك خلال أقل من شهر".
وإذ يبدو الإعلان كلاماً مكرراً فاقد الصدقية كإعلانات سابقة كثيرة غيره، تظهر الغرابة الحقيقية في المضمون العسكري لهذا التصريح الصادر في مؤتمر صحفي في 21 أيلول (سبتمبر) الحالي، كونه جاء على لسان علي حيدر، وزير ما يسمى "شؤون المصالحة الوطنية" في الحكومة السورية؛ فلم يصدر عن مسؤول عسكري، أو حتى وزير الداخلية! فوق ذلك، يحسب للوزير حيدر انتماؤه إلى المعارضة "المرخصة والمرضي عنها" من قبل نظام بشار الأسد، والتي شاركت في الوزارة ضمن مزاعم "الإصلاح" و"الحوار".
لكن إذا كان حيدر "المصالحة" لا يؤكد في تصريحه وقبوله لهذا الدور إلا ما هو معروف بداهة عن معنى "الإصلاح" و"الحوار" بالنسبة للأسد، فإن المعارضة/ المعارضات السورية، لاسيما في الخارج، لا تبدو أفضل حالاً أبداً لناحية خضوعها لنظيراتها العسكرية المنضوية، بشكل عام، في إطار "الجيش الحر" و"المجلس العسكري" خصوصاً.
ولعل الملفت أن الانتقاد الأشد للمؤتمر الوطني لإنقاذ سورية، والذي عقدته في دمشق معارضة الداخل الأسبوع الماضي، إنما جاء من الجيش الحر، الأمر الذي يمكن تفسيره، في جانب على الأقل، كنتيجة لإصرار هذه المعارضة، عن حق، على إخضاع العسكري للسياسي وليس العكس كما نرى اليوم.
لكن المؤشر الأهم على هيمنة الصبغة العسكرية للثورة السورية على الجانب السياسي هو المحاولات الحثيثة، والمطلوبة حتماً، لتوحيد الفصائل المعارضة المسلحة، والتي تمثلت إحدى تجلياتها مطلع هذا الشهر في الإعلان عن تشكيل "القيادة العامة للجيش الوطني السوري"؛ بينما في المقابل، تبدو المعارضة السياسية غارقة في انقسامها، بل وغيابها، حتى بات من المشروع والضروري السؤال اليوم: أين هو المجلس الوطني السوري، أو ما بقي منه؟ وماذا حل بمصير "إصلاحه" ليكون ممثلاً فعلاً لكل الجماعات السورية المعارضة التي باتت تستعصي على الحصر؟
لقد حسم نظام الأسد خياراته منذ اليوم الأول للثورة السورية باللجوء إلى الحلول العسكرية الأمنية الوحشية، وحسم بالتالي مصيره في سورية المستقبل التي لا مكان له فيها. لكن على الثوار السوريين مواجهة تحدي حسم خياراتهم بشأن هوية سورية المستقبل، والتي يجب أن تكون دولة مدنية، ونقيضها ليس فقط الدولة الدينية الإسلامية المتخوف منها، بل الدولة المعسكرة التي تسودها لغة السلاح وتخضع للفصائل المسلحة.
وكما لا يلام الثوار على حملهم السلاح دفاعاً عن أنفسهم وذويهم في مواجهة نظام دموي، فهم لا يلامون في تسيدهم المشهد نتيجة ضعف المعارضة السياسية وانقساماتها. ويظل السؤال حول ما إذا كانت تلك المعارضة/ المعارضات قادرة أو راغبة في استدراك ما فاتها، بدلاً من المقامرة بمستقبل سورية، كما قامر النظام بحاضرها وماضيها؟!

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق