د.أحمد جميل عزم

سبب الأزمة في الضفة الغربية

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

لم يرفع أيّ من التظاهرات والاحتجاجات في الدول العربية، والثورات والحراكات، المطالبات بخفض الأسعار شعارا أولاً لها، كما يحدث في الضفة الغربية، هذا رغم وجود احتلال، يمكن أن يُلام وتوجّه النقمة ضده.
في شهر رمضان الماضي، كان سائق سيارة أجرة في الضفة الغربية يعلّق متحسّرا: قبل عشرة أعوام، لم يكن المستوطن يجرؤ على تغيير إطار سيارته إذا تعرض للعطب في الشارع، ويحتاج الى دورية لحمايته، أمّا الآن –بحسب السائق– فصرنا نخشى أن نغيّر إطارات سياراتنا خوفا من هجمات المستوطنين. وفي الأيام الماضية، لم يعد الفلسطيني يخشى فقط حجارة المستوطنين وعنفهم، ولكنه يخشى أيضاً المرور بسيارته في مناطق فلسطينية، كمخيمي بلاطة أو الأمعري، أو مناطق في بيت لحم، بعد أن نحت تظاهرات الاحتجاج على غلاء الأسعار منحى عنيفا.
من المعروف والثابت أنّ جهات داخل حركة "فتح" لا ترغب في وجود سلام فياض ولا تريده، بسبب التنافس وتنازع الصلاحيات الشخصيّين في أغلب الأحيان. وتأكد في الأيّام الماضية أنّ جزءا لا يستهان به من الفعاليات الشعبية الاحتجاجية، بما فيها الداعية للتظاهر والإضرابات العامة، هي من داخل "فتح"، وعلى سبيل المثال لا الحصر مجالس الطلبة في الجامعات، ونقابات مختلفة.
في الأثناء، تراقب "حماس" بحذر، ويؤرقها هاجس انتقال الاحتجاجات إلى غزة. وهو ما تدل عليه ردة الفعل العصبية على تصريح نائب رئيس المكتب السياسي في "حماس"، موسى أبو مرزوق، لوكالة "معا" بأن الاحتجاجات قد تنتقل إلى القطاع، إذ نفاها ناطق رسمي من غزة، ولم ينفها أبو مرزوق!
هاتفتُ عددا من منسقي ومتابعي الاحتجاجات عن قرب، فوجدتُ حيرة بين ناشطي "فتح"، والتأرجح بين التذرع بالغلاء لتبرير الاحتجاج، وإعلان العداء لسلام فياض، والتراجع عن تأييد التظاهر بعد أن بدأ يأخذ منحى تخريبيا في بعض المناطق، إضافة إلى من يعتقد أنّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية تدعم الاحتجاجات في إطار التنافس الداخلي، أو لأن أفرادها يعانون الوضع المادي أيضاً. وهناك من يفتخر بأنّ الأجهزة الأمنية تتعامل بطريقة منفتحة وتنفذ تعليمات فياض ومحمود عبّاس بالسماح بالاحتجاج السلمي. وسألت أحد منسقي الاحتجاجات الرئيسيين في إحدى المدن (من خارج "فتح"): "هل يمكن أن يتحول الاحتجاج ليصبح ضد الاحتلال؟". وجاءني الرد بأن هذا غير ممكن أبداً قبل تغيير الحكومة!
في الضفة الغربية الآن رئيس وزراء وصل إلى موقعه بقرار "فتح"، أو بالأحرى قرار رئيسها، ولكن خيار رئيس الحكومة لم يحظ بدعم سياسي تنظيمي فعلي، بل تعرض لهجوم من "فتح".
يرى كثيرون أنّ أول ما تعلنه الأزمة الراهنة هو فشل نظرية بناء الدولة والسلطة بوجود الاحتلال؛ بل إنّ الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه اقتربا من هذا بإعلان مسؤولية الاحتلال عن المأزق الاقتصادي، مع تلميح إلى أنّ هناك عملية خنق دولية للسلطة لإجبارها على العودة إلى المفاوضات.
يجدر التعامل مع فكرة فشل انتزاع الدولة بحذر؛ إذ يمكن أن تعني انتزاع السلطة، وأن تعني العصيان المدني، وفك الارتباط مع الاحتلال، ولكن ما حدث أنّ الفصائل، وفي مقدمتها "فتح" وحكومتها، لم تتبن برنامجاً لانتزاع السلطة ومواجهة الاحتلال باستخدام أدوات جماهيرية شعبية، وحصرت نفسها في مواجهات دبلوماسية، وفي أحسن الأحوال "مواجهات إنمائية" تقوم على مشاريع لدعم الصمود الفلسطيني، وبقيت إسرائيل تتحكم بقواعد اللعبة، بمختلف أوجهها الاقتصادية والحياتية.
كان يمكن أن تنجح فكرة انتزاع السلطة وبناء الدولة، وأن تصبح برنامجاً وطنيّا، لو وُجدت ضمن سياق اقتصاد مقاومة شامل، تتكامل فيه إدارة حكومية مع لجان شعبية، وحملات مقاطعة، ومواجهة، ولكن حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى أنّ رئيس السلطة الفلسطينية، أو الحكومة، أو فصيلها الداعم –نظريا على الأقل– في وارد تبني مشروع كهذا. فقدت "فتح" وجهها الشعبي، وبوصلتها النظرية والعملية. وتصر "حماس" على التهرب من مسؤوليتها المتمثلة في إعاقتها تجديد الشرعيّات، بمنعها الانتخابات. ولا يوجد لأيّهما قرار أو خطة من أي نوع. وليس هناك سوى الخلافات والصراعات. والنتيجة انقلاب المعادلة من مواجهة الاحتلال، إلى المواجهات الداخلية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا شرعيات (انور ابو رحمة)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2012.
    تحياتي دكتور ..
    1- اعتقد ان القيادة السياسية اصبحت الان بلا شرعية قانونية ولا شرعية شعبية ولا شرعية نضالية .
    2- يصعب تخيل توجه هذة الاحتجاجات ضد الاحتلال والسبب هو ان النظام السياسي الحالي هو المسؤول عن هذا الواقع وقلب الاولويات من جهة ولا احد سيضحي من اجل ان يستفيد س و ص ز
    3- اول الحل هو رحيل النظام السياسي العجوز

    وشكرا للغد قراء من كتاب ومحررين
  • »الشعب الفلسطيني بين مدرستين (اسامة مطير)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2012.
    أعتقد أن الكاتب الكريم نسي أن الثورة الفلسطينية في الضفة الغربية على الغلاء والفساد غاب عنها العديد من النشطاء الحمساويين المعتقلين والمنكل بهم من قبل حكومة فياض-دايتون وبالتالي فالغايات السامية من الثورة الشعبية(ان صح التعبير)الحالية غابت وغابت معها الثورة ضد الاسباب الحقيقية للوضع الراهن في الضفة.بينما وعلى الرغم من الحصار الخانق لغزة وجوع ومرض المواطن الفلسطيني /فإن الشعب الفلسطيني هنالك لا يطالب بطرد حكومة حماس او يحمل هذه الحكومة اوزار الجوع والحصار .لأنه بالمختصر المفيد حماس هي ابنة لهؤلاء الجياع وهؤلاء الجياع يبررون لحماس ويلتمسون لها الاعذار بسبب الحصار ويدركون أن قادة حماس لا يألون جهدا في ايصال الرواتب والمساعدات وغيرها للمحاصرين.المشكلة في الضفة الغربية أن المليارات ذهبت الى جيوب كثيرة لإبليس
  • »قيادات حماس وفتح لا تشبه فلسطين ونضالها (يافا العجمي)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2012.
    تحليل مهم أستاذ أحمد خصوصاً أنك تعايش الأحداث مباشرة من فلسطين ومن الميدان، في الوقت نفسه ورغم وضوح البديل المقاوم لديك وصحته فإنه محزن وكئيب في ما خلص إليه مقالك؛ ليس هناك سوى الخلافات والصراعات -- قيادات حماس وفتح الحالية هي من أسوأ القيادات في العالم ونقيض جذري للقيادات التاريخية للشعب الفلسطيني التي كانت قادرة دائماً على ابقاء القضية الفلسطينية حية وتوحيد الصف الفلسطيني وتحريك الشارع وتطوير المسار السياسي وقلب الطاولة عند الضرورة والحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني... الأهم أن القيادات التاريخية للشعب الفلسطيني كانت لا تترك الميدان. هذه القيادات لا تشبه فلسطين ولا تاريخها ولا نضالها. قيادات حماس وفتح أدوات في يد المعادلة الاسرائيلية بإرادتهم أو دونها!