ماجد توبة

رجال الدولة وسيادة القانون

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

صادمة حد الذهول ما نقلته الكاميرات وتسجيلات الفيديو لحادث الاعتداء بالضرب المبرح والقاسي على الناشط حسام العبداللات، من قبل مناصرين وأقارب لرئيس الوزراء الأسبق ونائب رئيس مجلس الأعيان عبدالرؤوف الروابدة، أمام منزل الأخير أول من أمس.
ولا يحدث إلا في الأردن أن تجد مسؤولا سياسيا كبيرا، بوزن الروابدة، يبادر إلى اللجوء إلى أقارب ومناصرين للتصدي لناشط أو ناشطين سياسيين، أرادوا أن يعبروا عن آرائهم بطريقة "غريبة" أمام بيوت مسؤولين، حاليين أو سابقين، حتى وإن كانت هذه الطريقة أو مكانها خاطئين ومرفوضين من قبل طيف واسع من الرأي العام.
إن كان الناشط العبداللات قد أخطأ في اختياره طريقة الاعتصام أمام بيوت مسؤولين وسياسيين، فيخطئ خطأ أكبر من يبادر إلى الاستنجاد بعشيرته ومناصريه وأقاربه، للتصدي للناشط المخطئ، والاعتداء عليه من قبل العشرات ممن استثيرت حميتهم. وهو فعل مرفوض بكل المقاييس من أي شخص، فما بالك برجل دولة، أو مسؤول كبير، يرفض أو يتجنب الاحتكام إلى أدوات القانون وسيادته؟
نجزم أن غالبية أقارب وأبناء عشيرة الناشط المعتدى عليه قد عارضوه، ولم يقروه في خطوته بالاعتصام أمام بيت الروابدة وغيره من مسؤولين وسياسيين، فحق التعبير السياسي مكفول دستوريا وقانونيا لكن ضمن الأطر المقبولة وطنيا واجتماعيا وسياسيا. أما بعد أن تعرض ابنهم للإهانة والضرب والطعن بأدوات حادة، ومن منطلق حمية عشائرية لا سياسية، فإن أحدا لن يتوقع أن لا يستثير ذلك تعاطف وحمية أقارب هذا الناشط، لندخل -لا سمح الله- في دوامة عنف مجاني خطيرة.
يمكن توقع، بل وتفهم، لجوء الأشخاص العاديين إلى العصبيات العشائرية والقرابية، وحشد المناصرين واستثارة حميتهم، وتجنب الاحتكام إلى القانون والقضاء، بل والاستقواء على القانون والدولة وتهديد السلم الاجتماعي، لكن يصعب تفهم حدوث ذلك من شخصيات سياسية ومسؤولين ورجال دولة؛ فهذا سلاح أخطاره وآثاره كبيرة ومدمرة، فضلا عن أنه سلاح غير قانوني ولا حضاري، وليس مقبولا سياسيا.
إذا كانت الدولة والمجتمع وكبار المسؤولين يشكون، ليل نهار، اتساع ظاهرة الاستقواء على القانون، والتعدي على هيبة الدولة، وتزايد النزوع المجتمعي نحو العصبيات والهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة والتمسك بسيادة القانون، فإن سابقة اللجوء إلى الأقارب والمناصرين من قبل رجال الدولة وكبار المسؤولين، هي أمر جد خطير، ويبعث برسائل خطيرة لا تخطئها عين حصيف.
هيبة القانون وسيادته، ودولة المؤسسات، التي يطربنا بشعاراتها المسؤول ورجل العمل العام، وزيرا ونائبا وعينا ومسؤولا أمنيا أو إداريا، سواء خلال تقلده المنصب العام أو بعد مغادرته، يتطلب أول ما يتطلب، أن يقدم هذا المسؤول ذاته القدوة في احترام هيبة القانون ودولة المؤسسات، والصبر حتى لو كان مظلوما أو تأذى شخصيا بحكم منصبه، على الأذى وخرق القانون من قبل غيره، والتمسك بالقانون والقضاء والرد السلمي الحضاري.
الضرر العام، والذي طال الدولة وهيبة القانون، في حادث التصدي بسلاح المناصرين والأقارب الغاضبين، لناشط سياسي "مخطئ" في اختيار طريقة التعبير، ضرر كبير؛ والأخطر منه تلك الرسائل التي يبعثها مثل هذا الفعل السياسي من رجال الدولة إلى المجتمع والرأي العام والعالم، عن الحال التي وصلت إليها هيبة الدولة وقانونها!

majed.toba@alghad.jo

التعليق