يخطئ إخوان مصر وتونس إذا مسوا مكتسبات المرأة

تم نشره في الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

ثمّة تصريحات هنا وهناك في مصر وتونس، أبطالها نساء ورجال من قيادات الإخوان المسلمين، تحاول إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء فيما يخص مكتسبات المرأة وحقوقها ووجودها وتمكينها، منذ صعود هذه القوى المحافظة إلى الحكم عقب الإطاحة بحسني مبارك وزين العابدين بن علي.
هذه القيادات –التي ترفق القول بالممارسة- تحاول شيطنة وتكفير كل من يعارضها، وتضمر رغبة جامحة في "أخونة" طريقة عيش المجتمعات والتحكم بحياة المواطنين، وخاصة النساء "المستضعفات"، بدءا باللباس، وانتهاء بحقوقهن ومكتسباتهن القانونية. يتم ذلك باستعمال تفسيرات خاصة برؤية من بات يحكم باسم الله، أو من بات يعتقد أنه يملك الحق الإلهي في فرض ما يريده على البشر عبر تفسيرات مقولبة تناسب طموحاته، وتبتعد عن روح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
هذه التصرفات لا تبشر بالخير لمستقبل المرأة؛ نصف المجتمع ومربية الأجيال، في منطقة ما تزال نساؤها يناضلن من أجل تمكينهن وزيادة تمثيلهن في مناحي الحياة العامة.
لجان تأسيسية في تونس –حيث يسيطر حزب النهضة- ومصر -بقيادة حزب العدالة والتنمية- تعكف، بالتنسيق مع بعض السلفيين، على وضع مسودة دستور جديد في كلا البلدين. بعضهم يصر على جعل الشريعة المصدر الوحيد للتشريعات والقوانين، بدل أن تكون أحد المصادر، كما هي الحال عليه. عليهم الاتفاق قلبا وقالبا على أن الدساتير مبنية على "عدم التمييز بين المواطنين وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين".
والأخطر هو وضع نساء الجماعة في واجهة معركة تغيير طريقة الحياة. وهم يلعبون على جهل بعض النساء بحقوقهن القانونية والسياسية، أو على وجود تفسيرات خاطئة للتعاليم الدينية يصدرها رجال متزمتون.
لكن يبقى الأمل في أن لا يعود أعضاء هذه اللجان إلى عصر اختراع البارود عندما يتعلق الأمر بحقوق المرأة والطفل في هذه المجتمعات المتدينة بالفطرة، المحافظة اجتماعيا، والمعروفة بتسامحها واعتدالها. وقد باتت المرأة التي تتحكم بالسلطة تقمع المرأة خارج السلطة بعد أن وضعها الرجال رأس حربة لتنفيذ مخططهم.
الأصل أن تنطلق هذه القوى من المكان الذي وصلت إليه وضعية المرأة في هذين البلدين، حتى تكسب الأنظمة الجديدة صدقية بين مكونات المجتمع، لاسيما أنها لم تعد تسيطر فقط على منتسبي الحزب. كما عليها العمل على تحقيق رغبات القوى الثورية المطالبة بالحرية، والكرامة والعدالة الاجتماعية. يفضل البناء على الإيجابيات واستثناء السلبيات، بدلا من محاولة قتل كل ما جاءت به "سوزان مبارك" و"ليلى الطرابلسي"، والإيحاء بأن السيدات الأُول سابقا كن يطبقن أجندة غربية غريبة عن تعاليم المجتمع والدين الحنيف لتحرير المرأة بصورة خاطئة وتدمير المجتمعات. فبرأي الكثير منهم، كل ما تم خلال عهد رجال سوزان وليلى سيئ، وضد الدين، وغير أخلاقي، ولذلك يجب إعادة كتابة التاريخ مرة أخرى، وفق مقاسهم ورؤيتهم.
في مصر، مثلا، تسمع أصوات من برلمانيات محسوبات على حزب الحرية والعدالة يتكلمن بضرورة العودة عن تجريم ممارسات الختان، من باب أن قرارا كهذا يجب أن يدخل في حرية الاختيار الشخصية! أصوات أخرى تسعى إلى تخفيض السن القانونية لزواج الفتيات من 18 إلى 12 سنة، بحجّة مراعاة العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي والثقافي، بدون أدنى إدراك للعواقب النفسية والجسدية على القصّر. غالبية هؤلاء النسوة لا يؤمنّ بحق المرأة في تولي الرئاسة، من باب أن في ذلك مسؤولية كبيرة لا تقدر المرأة على حملها.
في تونس، حاول حزب النهضة استبدال نص دستوري يساوي المرأة بالرجل بـ"تكامل المرأة والرجل". لكن الدنيا قامت ولم تقعد في بلد حقّقت النساء فيه مكاسب قانونية وسياسية خارقة، تضعهن في مراتب أخواتهن في الأنظمة الديمقراطية الغربية التي فصلت الدين عن الدولة.
طالبت نائبة من حزب النهضة بتغيير قانون حماية حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن، من باب أن منح الحرية للمرأة يجب أن يكون "في حدود" دون تجاوز المقدسات والدين الإسلامي. أصوات أخرى تطالب بتعدد الزوجات في بلد يحرّم ذلك منذ عقود.
من الضرورة مراعاة التقاليد والمحددات المجتمعية في أي بلد، لكن المأمول أن تراعي هذه القوى الصاعدة، في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية، عدة معايير في مرحلة الانتقال صوب الديمقراطية، لكي تضمن حقوق المرأة، والطفل، والأقليات بتلاوينها كافة، وتعمل على بناء توافق مجتمعي حول شكل الدولة وهويتها. فالتاريخ يظهر أن المرأة والطفل يشكلان الفئتين الأضعف اللتين تتحملان تكلفة التغيير في غالبية الدول التي جرّبت الثورات والانقلابات، وآخرها دول أميركا اللاتينية، حيث تواطأت المؤسسات الدينية مع القوى السياسية الجديدة هناك على حساب حقوق المرأة والطفل.
فليتفق الجميع على الحد الأدنى من المعايير، وصولا إلى دولة مدنية ديمقراطية تقدمية، وهي:
- احترام أسس التعددية والديمقراطية: وضع الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المنصب بغض النظر عن المظاهر وطريقة اللباس، والولاء والانتماء للحزب الحاكم، كما كانت تفعل الأحزاب الحاكمة زمن مبارك وبن علي. وما نشاهده اليوم هو العكس تماما؛ محاولة لدفع رجال وسيدات الأحزاب إلى مناصب قيادية وثانوية، ليحلوا مكان كل من خدم في البيروقراطيات السابقة. فلكل شخص، بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده.
- العمل على ترسيخ دولة المواطنة والقانون والمساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الجنس، أو العرق، أو الدين أو اللغة، وضمان التداول السلمي للسلطة. فالقوانين تضمن الحقوق والحريات الأساسية، وليس تفسيرات رجال الدين. ففي البيت لا ضير في أن تنظر هذه القوى إلى المرأة كأخت، وبنت، وأم، وزوجة، لكن عندما تخرج من عتبة المنزل إلى الفضاء العام تصبح مواطنة، حالها حال الرجل؛ تتمتع بجميع الحقوق والواجبات.
- اعتماد آخر ما توصل إليه العلم الحديث والطب والنظريات السياسية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية والمعاهدات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، لدى تقديم أي مشروع قانون جديد، بخاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل ختان النساء، أو مسائل حساسة تتعلق باستكمال البناء الديمقراطي وضمان حقوق الأقلية وعدم هيمنة الأغلبية عليها.
- إعادة النظر في برامج التربية والتعليم التي تكرس صورة نمطية دونية للمرأة، وتوعية النساء والرجال بمبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ فالمسطرة واحدة والله لا يحب الظلم.
- الإبقاء على نظام "الكوتا" الخاص بالمرأة كنوع من التمييز الإيجابي، إلى حين تمكين المرأة، حال ما حصل في دول أوروبية مثل السويد قبل أكثر من 50 عاما لرفع مستوى مشاركة النساء في الحياة السياسية. واليوم، تحتل النساء نصف مقاعد البرلمان والحكومة في السويد.
- الإصرار على مناصفة المرأة في اللوائح الانتخابية مع الرجل، وأن يأتي ترتيبها بالتساوي، بدل وضع أسماء كل الرجال في الأعلى وإلحاق النساء بها في أسفل القائمة.
ليتذكر الحكام الجدد أن النساء خرجن إلى ميادين التحرير حال الرجال، ولعبن أدوار المقاومة ذاتها، سعيا إلى الوصول إلى حياة أفضل لا تفاضل بين رجل وامرأة. فالأنظمة البائدة قمعت الرجال والنساء. وبعكس ذلك، ستعود البلاد إلى المربع الأول بين الاستبداد والإقصاء في حال مشت القوى الجديدة صوب "الدينوقراطية" (ثيوكراسي). وليحب من يجلس اليوم في السلطة لغيره ما يحب لنفسه ولعائلته، فالدين لله والوطن للجميع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »للجميع (قيس البياري)

    الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2012.
    المرأه مستقبل العالم
  • »حتما ,سيخطئون!! (ابو خالد)

    الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2012.
    الدين لله والوطن للجميع ,هذه عبارة علمانية يا ست رنا ومن وصلوا سدة الحكم في هذا الدول لا يؤمنوا بمضمون هذه العبارة,فمن وجهة نظرهم ,الدين والوطن والارض والبشر كلها لله.
    اللعب بالكلمات وأختراع مفاهيم جديدة مثل "تكامل المرأة والرجل" هو اول هذه الفذلكات للالتفاف على ما ترسخ في الوجدان من " مساواة بينهم",فالهدف هو الغاء وشطب ما يتعارض مع قناعاتهم,فالشورى(غير الملزمة لأحد)ستكون البديل للديمقراطية(الملزمة),ودولة المواطنة والقانون والمساواة في الحقوق والواجبات ستصبح دولة " الاقلية يجب ان تحترم رأي الاغلبية" وهكذا.كل يوم تزداد قناعتي بأن اسوأ من يسيء للاسلام هم من يدعوا انهم حريصيين عليه.