د.أحمد جميل عزم

"تصاريح إسرائيل" وتحول المناضل إلى محلل سياسي

تم نشره في الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

قرأت تحليلات واستنتاجات قدّمها سياسيون وقادة فلسطينيون بشأن منح إسرائيل أعدادا كبيرة من التصاريح للفلسطينيين مؤخرا، تسمح بدخولهم فلسطين المحتلة العام 1948، سواء للزيارة والترفيه، أو للعمل. وهناك جدل وتساؤل حول هدف هذه التسهيلات، وخشية من أن يكون هذا لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، وعودة إلى فكرة الاحتلال رخيص الثمن؛ حيث الفلسطيني عامل ومستهلك في السوق الإسرائيلية، وحيث تلعب السلطة الفلسطينية دورا أمنيا إداريا بدون التقدم نحو الاستقلال والتحرر. بكلمات أخرى، هو مخطط شبيه بمشاريع إسرائيلية في الثمانينيات، منها مشروع روابط القرى الذي كان يهدف إلى إيجاد وكلاء للاحتلال في إدارة الشأن الفلسطيني، وتصفية منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، وربط الفلسطيني بسوق العمل الإسرائيلية، مع الاستمرار في محاولات دفعه للهجرة وترك أرضه.
حتى منتصف السبعينيات، كان عمل الفلسطينيين في المصانع وورش العمل والمنشآت الإسرائيلية مرفوضا، درجة استهداف باصات نقل العمال بالحجارة، وحتى بعمليات عسكرية، من قبل فصائل في العمل الوطني، قبل أن يتحول حتى العمل في المستوطنات إلى أمر عادي، إن لم يكن مرغوبا من قبل قيادات سياسية، بهدف حل الأزمات المالية والاقتصادية الفلسطينية. وتتساوى الفصائل الوطنية والإسلامية في عدم تبني أجندة ذات معالم واضحة في هذا الشأن، وبشأن العلاقة اليومية، الاقتصادية والإدارية، مع الاحتلال.
لقد كانت ثورة العام 1936 وانتفاضة العام 1987 من أهم الفترات التي شهدت عملا وطنيا جماهيريا شعبيا، فيه قيادة فاعلة للحركة اليومية للإنسان الفلسطيني، بما يوجه حركته ضمن بوصلة محددة. وكانت هناك بيانات متتالية شبه يومية من المواقف المختلفة. والمتوقع من حركة وطنية فاعلة تؤدي دورا شبيها، أن تكون لها كوادر على الأرض، وأذرع إعلامية لتوضيح الموقف من أي قضية؛ والتحول في الموقف الإسرائيلي من موضوع العلاقة مع المواطن الفلسطيني أحدها. بإمكان حركة وطنية فاعلة أن تحدد وتقود كيفية الاستفادة البنّاءة من الموقف الراهن، كاستخدام هذه التصاريح للتواصل مع فلسطينيي 48، وتثقيف الجيل الجديد بوطنهم التاريخي، بدون السقوط في فخاخ الأجندات الصهيونية.
تحولت الكوادر السياسية للفصائل التي قادت مراحل النضال في الماضي إلى سياسيين في فصائل متصارعة، بل وسياسيين أقرب إلى البيروقراطية والنضال في المكاتب والصالونات وأمام كاميرات التلفاز، بدون وجود حركة فاعلة متواصلة مع الجماهير.
دون الانتقاص من الكفاح المسلح، المتوقف حاليا، فإن النضال الجماهيري ربما يكون أكثر صعوبة وأعقد حتى من عمل عسكري. فالأخير ربما يحتاج مجموعات ذات شجاعة وإقدام كبيرين، ولكن تنظيم حركة الجماهير في فعاليات يومية، من تظاهر، ومقاطعة اقتصادية، وعصيان مدني.. إلخ، يحتاج عقولا وجهدا دائبا بين الناس ومعهم، وأعدادا كبيرة من الناشطين، لإيجاد حالة تعبوية نفسية معينة، وبلورة موقف شعبي من كل قضية.
يفتقد الشارع الفلسطيني الآن إلى قيادة ميدانية مناضلة، وتحولت فصائله وناشطوه إلى بيروقراطيين، وتحول الكثير من مقاتليه السابقين إلى أشبه بالمنظرين والمحللين السياسيين؛ يطرحون أسئلة واستنتاجات، ولا يحركون جماهير أو يقودونها، ويمارسون دورا أشبه بدور الصحفيين والكتاب، لا بقيادات العمل اليومي المقاوم.
تحتاج قضايا مثل العمل في المستوطنات، والمقاطعة الاقتصادية، وبناء اقتصاد ونمط حياة مقاومين، وقضايا التعليم، والثقافة، ورفض الاحتلال ومواجهته بشتى الوسائل، قيادة وحراكا مفقودين إلى حد كبير الآن.
استعادت قرى فلسطينية أراضي صادرها الإسرائيليون بعد نضال قانوني وجماهيري مهم ومثمر، لتبدأ الخلافات بين الفلسطينيين أنفسهم على حصص الإرث العائلي في هذه الأراضي، وخلافات فصائلية وسياسية. 
المطلوب إسرائيليا الآن أن يعاد تنظيم علاقة الفلسطيني بالاحتلال بأقل توتر ممكن، مع استمرار الاستيطان وسياسات التهجير الناعم والهادئ، وتحويل الفلسطيني إلى عامل لدى الإسرائيلي، أو موظف بلديات وتصاريح لإدارة الشأن الفلسطيني نيابة عن الإدارة العسكرية للاحتلال أو واجهة لها، وأن يستمر في الوقت ذاته التوتر بين الفلسطينيين أنفسهم على كل المستويات؛ في الشارع، والعائلة، وبين الفصائل.
الوضع الذي تتحول فيه الفصائل وقياداتها إلى بيروقراطيين، ويتحول الناشطون إلى موظفين في جمعيات غير حكومية أجنبية التمويل والأجندات، هو نوع من الفراغ في الحركة الوطنية التي يجدر أن تراقب الوضع يوميا، وأن تضع أجندات للحركة الشعبية المناضلة.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحكم الذاتي (سس)

    الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2012.
    هذا هو التطبيق الفعلي لرؤيا مناحم بيغن كما ظهرت في اتفاقيات كامب ديفد