د.باسم الطويسي

الفقراء والمهمشون: ماذا تعني المشاركة السياسية؟

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

المشاركة السياسية ليست ملهاة اخترعتها النخب في السلطة لتبييض الوجوه، بل هي الأداة الأساسية التي توصل إليها النضال الإنساني في مقاومة الاستبداد واحتكار القوة، من أجل تحميل الناس جانبا من المسؤولية عن حاضرهم ومستقبلهم. وحينما تتحول هذه المشاركة إلى أداة شكلية لشراء الوقت وممارسة التضليل، تصبح أداة من أدوات الإكراه السياسي الأكثر خطورة من الأدوات التقليدية.
حينما يكون الفقر ليس وليد ظاهرة طبيعية، بل نتيجة خيارات أو سياسات اقتصادية أو اجتماعية، تصبح المشاركة الشكلية الزائفة للفقراء والقواعد الاجتماعية العريضة أداة لإعادة إنتاج الفقر والحرمان والتضليل أيضاً.
والمجتمعات المحلية المهمشة التي تشكل قاعدة السكان، هي الأكثر ممارسة للحياة السياسية الشكلية في الدول المتحولة، كما تبدو في مواسم الانتخابات وفي أشكال التعبير السياسي الأولية. في المقابل، نجد هذه المجتمعات هي الأقل تمثيلاً في الحياة السياسية العامة، والأقل حضوراً في التأثير في صناعة القرارات والسياسات. وبالتالي، فإن قضاياها السياسية والتنموية لا ترتقي إلى مستوى الأولويات في إدارة الحياة العامة.
في الأردن، تكاد تتضاعف نسب المشاركة في الانتخابات بالمقارنة بين المحافظات وبين دوائر العاصمة. ويتكرر أحياناً نفس المؤشر بالمقارنة بين بعض الأحياء الفقيرة والأحياء الأخرى في العاصمة نفسها. فالعلاقة السوية بين الدولة والمجتمع يفترض أن تنطوي على قدر كبير من المشاركة السياسية الفعلية للمواطنين بشكل عادل في الشؤون العامة ومن منظور تنموي. وكلما ازدادت المشاركة الفعلية والعادلة، كلما كان ذلك دليلاً على أن الدولة تعبر عن توجهات المجتمع وتطلعاته.
الأمر السائد تفسره المعادلة المقابلة، والتي تقدر أنه ما دامت القوة السياسية موزعة بصورة غير عادلة، والأمر ينسحب على توزيع القوة الاقتصادية، فإن النتيجة أن مؤسسات الدولة تعمل بطريقة لا تخدم الفقراء، ولا تخلق الجسور التنموية التي تمكن المجتمع من العبور السليم والمعافى من العوز والفاقة والتهميش والحرمان إلى حد معقول من التكافؤ والعدل في توزيع النفوذ والسلطة والقدرات والثروات.
من المؤكد أن نتائج المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة ستكرر المشاهد التي خبرناها خلال أكثر من عقد ونصف العقد، حينما كنا نصفق جميعنا لحجم المشاركة الواسعة للمحافظات والمناطق الريفية والأحياء الفقيرة.
لكن آن الأوان لتفسير عقلاني لهذه الظاهرة، وأن نحددها بأنها مشاركة شكلية وليست فعلية. وحتى المبررات التي حاولت تفسيرها (الظاهرة) بالأطروحات التي أصبحت تتسم بالشعبية، والتي نضعها تحت عبارة العشائرية والتعصب الفئوي، تحتاج أيضاً إلى مراجعة.
تتراجع قدرات أدوات التدخل والتأثير الرسمي والنخبوي في المشاركة الانتخابية في العاصمة والمدن الكبرى، فهناك إرادة رسمية واضحة أن تظهر أنماط المشاركة أكثر نزاهة، بينما لا توجد متابعة حقيقية أو رصد لما يجري في بقية المناطق أو حجم التدخل فيها. في الوقت نفسه، نجد أن المجتمعات المحلية لا يتوافر للكثير من قواعدها العريضة الاستعداد للتمييز بين النزاهة الانتخابية والمصالح والحاجات من جهة، أو حتى الاستعداد للتمييز بين أدوار المؤسسات وحدودها من جهة أخرى.
ما نزال نركز على استخدام العشيرة والعشائرية كأداة وحيدة لتحليل تشوه المشاركة السياسية في هذه المجتمعات، وهو أمر على وجاهته غير دقيق. فعلى سبيل المثال، لم نجد دراسة توضح للرأي العام دور النخب الحكومية المتقاعدة في عمان التي تعود في أصولها إلى المحافظات، وستتذكر مدنها وقراها في مواسم الانتخابات؛ وهم الذين يمارسون بالفعل، غالباً، إدارة المشاركة الشكلية بالتواطؤ مع بعض المؤسسات، من خلال قيامهم بأدوار الوساطة والسمسرة.
الكثير من أفراد هذه النخب الذين لم يبذلوا جهداً حقيقياً أو يقدموا خدمات جليلة تبرر نفوذهم الذي لا يتوقف، أو ثرثراتهم التي لا تنتهي، لا يريدون أن يتوقف هذا النفوذ، ولا يسمحون أن تولد نخب جديدة من دون أن تمر بهم. وهذه أداة يمكن أن تفسر بعض جوانب المشاركة الشكلية التي تحرم تلك المجتمعات من التوزيع العادل للسلطة من خلال المشاركة الفعلية، وبالتالي يتم تدوير التخلف الاجتماعي وتدوير الفقر.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحكمة قولا ولتكن فعلا (هشام السلع)

    الاثنين 27 آب / أغسطس 2012.
    لمثل هذا فليعمل العاملون وهذا لسان حال الواقع