نضال منصور

السيطرة على الإعلام واحتواؤه

تم نشره في الأحد 26 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

منذ عقدين من الزمن والحكومة والإعلاميون في معركة كر وفر، فالحكومة تسعى بكل الوسائل إلى السيطرة على الإعلام واحتوائه، والصحفيون يريدون حريتهم ورفع سقفهم واستقلاليتهم.
وتفاصيل هذه المعركة الممتدة كثيرة، فهي لا تبدأ بالانتهاكات والضغوط التي يتعرض لها الإعلاميون خلال عملهم، ولا تتوقف عند محاولات شراء الذمم، ولا تنتهي بوضع القوانين التي تحد من الحريات وتلجمها.
كل محاولات التجميل الحكومي لتعديل قانون المطبوعات والنشر لا تنطلي على أحد، والقول بأن التعديلات على هذا القانون وضعت للحد من ظواهر الابتزاز واللامهنية، كلام يضحك ولا تصدقه حتى الحكومة نفسها، فالعالمون ببواطن الأمور يعلمون يقيناً أن شراء الذمم ظاهرة صنعتها الحكومات أولاً، وأن بعض وسائل الإعلام غير المهنية كانت وما تزال تحظى بالدعم والدلال، ويجري توظيفها للأسف في معارك الحكومات وتصفية الحسابات.
هذا لا يعني إطلاقاً أننا نعطي شرعية لاحتراف الابتزاز أو التضليل ونشر الإشاعات وذم الناس، ولكننا لا نقبل استخدام القانون وسيلة لضرب الحريات الصحفية، فهي حق أجدر بالرعاية، وهي وسيلة أساسية للناس للمعرفة، وفرض رقابتها للمساءلة والحوكمة الرشيدة.
قانون المطبوعات والنشر المعدل لن يجد الأصوات الأردنية معارضة له فقط، بل إن العالم سيعارضه ولن يقبل به، فالأردن من الدول التي التزمت بحرية الإنترنت، وهي اليوم تفرض تشريعات عكس ذلك.
المآخذ على مشروع القانون تجعل من مزاياه إن وجدت هامشية ولا تذكر، فاشتراط الترخيص للمواقع الإلكترونية وحتى للصحافة المطبوعة أصبح من الماضي، ويتعارض مع معايير حرية الإعلام، فالعالم حتى للإعلام المكتوب يتبع نظام الإخطار، والترخيص يعني أن الحكومة تملك حق الموافقة أو الرفض لإطلاق هذا الموقع الإلكتروني، والأخطر أن الحكومة ممثلة بمدير المطبوعات والنشر تملك حق حجب أي موقع غير مرخص، وأي موقع إلكتروني خارجي يخالف القوانين، وفي ذلك تعتقد الحكومة أنها قادرة على السيطرة على الإعلام، مثلما كانت تعطي الأوامر للمطابع بعدم طباعة أي صحيفة أسبوعية لا تعجبها، أو تمنع دخول أي صحيفة خارجية لا تروق لها عناوينها ومضمونها.
لا أدري إن كانت الحكومة وأذرعها لا تعلم حتى الآن بالتطور التقني الذي حدث، وبأن فرض الرقابة وحجب المواقع أمر صعب جداً، وأن هناك محترفين بكسر الحجب والرقابة حتى للمواقع المحصنة مثل البنتاجون، والأهم هل الحكومة مستعدة لدفع كلفة حجب مواقع إلكترونية لمؤسسات دولية مرموقة لأنها كتبت ما لا يعجبها؟!.
لا يتسع المجال لأن ندخل في جدل قانوني وتقني مع الحكومة التي وضعت تفاصيل هذا القانون السيئ، فهي تريد أن تحاكم مواقع إلكترونية لا تصدر فعلياً من عمان، وهي تريد محاسبة إدارة المواقع عن تعليقات للجمهور دون الالتفات إلى أن مواقع دولية تعتمد نظام النشر التلقائي ولا تتحكم بمضمون التعليقات، وهي تريد استباحة حق الصحفيين في الاحتفاظ بمصادرهم سرية، وبعد كل هذه الخطايا تريدنا أن نتفهم موقفها وأن ننظر بإيجابية للقانون.
هذا القانون لا يتعارض فقط مع معايير حرية الإعلام والإنترنت، بل يتعارض مع الاستراتيجية الإعلامية التي أطلقتها الحكومة وأعلنت خطتها التنفيذية بحضور جلالة الملك قبل أسابيع فقط.
لا تتحمل حكومة فايز الطراونة وحدها مسؤولية هذه التوجهات، فالحقيقة أن النية مبيتة لهذا القانون منذ حكومة الدكتور معروف البخيت، واستقالة الزميل طاهر العدوان وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال احتجاجاً على تشريعات إعلامية تتعارض مع الاستراتيجية الإعلامية كانت تعبيراً واضحاً عن ذلك.
أناشد مجلس الأمة أن ينتصر قبل حله لحرية الإعلام، فيرفض هذا القانون الذي سيضر بصورة الأردن قبل أن يقيد حرية الإعلام المتنفس الوحيد لهم، وحتى يتذكر الصحفيون "مسك" عملهم، وعليهم أن يتذكروا دائماً حقيقة لا مفر منها، إذا تمكنت الحكومة من تكميم الإعلام فإنها تسكت صوت الناس، وقبل ذلك البرلمان.

nidal.mansour@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انك لو ناديت حيا (سوسو)

    الأحد 26 آب / أغسطس 2012.
    معظم اعضاء مجلس الامة هم نتيجة تدخلات حكومة111 فلا يرجا منهم شئ