عيسى الشعيبي

شبيحة في عبدون

تم نشره في الجمعة 24 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

أن ينحاز عدد من المواطنين بين ظهرانينا، من قوميين ويساريين وغيرهم، للنظام السوري المدجج بآلة قتل جهنمية، وأن يدافعوا عن خياره الأمني بكل ما أوتوا من بلاغة، فذلك أمر مفهوم على نطاق ضيق، حتى وإن كان هذا الانحياز الأعمى غير مقبول لدى الأكثرية الكاثرة من الناس، الذين استكثروا على بعض من يعرفونهم من هؤلاء كل هذا الازدراء لحياة الأطفال والنساء، وكل هذا التعامي عن حيوات المقتولين تحت التعذيب، والمذبوحين بحد السكين.
غير أنه حين ينهض فريق من هؤلاء المأخوذين حتى اليوم بفكرة الممانعة، إلى التظاهر أمام سفارة الأسد في عبدون، والهتاف لحارس الأمن الإسرائيلي في الجولان بحماسة مفرطة، بلغت حد الإعلان عن أنفسهم كشبيحة في صفوف جيش غارق في دماء شعبه، فذلك أمر أحسب أنه يتجاوز حدود التأييد المقبول بالكلمة والمظاهرة، إلى فضاء إثارة الارتياب بوجود أناس على شاكلة ميشال سماحة اللبناني، قد لا يتورعون عن مقارفة تفجير البلد كرمى لعيون بشار الأسد.
فقد كان إصدار بيان تحذيري "ليس باسمنا" من مغبة انزلاق الأردن إلى أتون الحرب المشتعلة في الجوار الشمالي، مظهراً من المظاهر المعقولة في مجتمع تعددي مفتوح؛ وكان اصطفاف نفر من العقائديين هؤلاء إلى جانب النظام المتمسك بنظرية المؤامرة الخارجية، موقفاً لا يقدم كثيراً ولا يؤخر أبداً في مجرى تطور داخلي في بلد مجاور، امتلك فيه الشعب زمام أمره، ومضى بتصميم لا حد له، وتحت أقسى الظروف الإقليمية والدولية، نحو هدفه في إسقاط نظام العائلة المافياوية.
إلا أنه عندما يتطوع بعض من المفتونين بعد بالنظام الاستبدادي الفاسد، للانخراط هنا في المعركة الدائرة هناك، بكل هذا التهافت والرعونة، وتصنيف أنفسهم كشبيحة تتهيأ للقتال إلى جانب الأسد في معضمية الشام وداريا مثلاً، فذلك أمر ينبغي له أن يشعل أكثر من لمبة حمراء واحدة، وأن يقرع أكثر من جرس إنذار شديد، بل وأن يوقظ الأذهان على مخاوف لم تهدأ من وجود "سماحات" بيننا بنسخة أردنية منقحة.
والحق أنني استكثرت على بعض من أعرفهم من بين موقعي بيان "ليس باسمنا" أن يكون من بينهم شبيحة يفاخرون الملأ علناً بمثل هذه الوصمة المقيتة. ولولا أنني أعي سلفاً ما لدى هؤلاء المنافحين عن الأسد من مكابرة شديدة، وترفع عن رؤية الحقائق كما هي، لدعوتهم إلى إصدار بيان لاحق، تحت شعار "ليسوا منا"، يتبرأون فيه من مثل هذا الانجراف الخطير نحو أتون معركة داخلية، وينأون بأنفسهم عمن ينهون من فعل السوء ويأتون بمثله.
ورغبة مني في جلاء صورة الشبيحة التي أجزم أن بعضاً من الموقعين على البيان التحذيري لا يدركونها تماماً، ذهبت إلى معاني اللغة لمعرفة كنه هذه المفردة السقيمة، فوجدت أنها صيغة من صيغ المبالغة على وزن "فعّيل"، تم اشتقاقها في الساحل السوري، وأنها تخص جماعة محمية بقوة النظام تشتغل في التهريب بكل أنواعه، ثم تحولت إلى عصابات مسلحة، يتم اختيار أفرادها بعناية فائقة من بين أشخاص ذوي عقول صغيرة وبنية عضلية كبيرة، أغلبهم من المجرمين وأشباههم في قعر المجتمع، ممن لا ذمة لهم ولا ضمير ولا ولاء إلا لسيد العصابة.
فهل من المعقول أن يرتضي أحد من "المثقفين العضويين" وذوي التاريخ النضالي المشرف في الكفاح ضد إسرائيل والإمبريالية، وضد الرجعية والدولة القمعية، أن يجد نفسه متماثلا مع الشبيحة، أو أن يكون مجرد ستارة أنيقة لتغطية عورة هذه الفئة الضالّة، حتى لا نقول إنه يقبل أن يضع توقيعه إلى جانب تواقيع من ينهروننا عن الانخراط في الخطأ، ثم يجاهرون بالاستعداد لارتكاب الخطيئة، بل وينذرون كل من له عين ترى أنهم يغزلون هنا غزل ميشال سماحة هناك، ويبيتون لنا فعل الفتنة اللئيمة؟

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق