ماجد توبة

السطو على المياه ومعركة الصقور!

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

إذا قدر لك أن تجلس في حضرة مسؤولي وزارة المياه والري وسلطة المياه، وتستمع إلى تفاصيل ملف الاعتداءات على مصادر وخطوط المياه العامة، وحجم الاستباحة للحقوق العامة من قبل متنفذين أو مدعومين أو "مستقوين" على القانون والدولة، فستصاب بالغثيان والصدمة والحزن لحالنا، وستتولد لديك التساؤلات عن الوضع الذي وصلنا إليه، وعن هيبة المؤسسات والقانون.
في بلد لا يكاد يخلو يوم فيه من مسيرة أو احتجاج أو شغب وعنف ضد انقطاع المياه عن هذه المنطقة أو تلك، لأسابيع عديدة، تحدثك الأرقام الرسمية، وتصريحات "المسؤولين" في الغرف المغلقة، عن عمليات سطو واسعة على مصادر مياه وخطوط ناقلة رئيسة للمياه في وضح النهار، فضلا عن سرقات "صغيرة" متناثرة هنا وهناك، ما يترك في المحصلة سلطة المياه والحكومة عاجزتين عن تأمين أحياء ومناطق واسعة، تضم عشرات آلاف المواطنين والعائلات، بالمياه.
مليون متر مكعب من المياه سنويا يسطو عليه أحد المتنفذين و"المستقوين" على القانون في إحدى المناطق القريبة من عمان جنوبا؛ يسرقها علنا من خط مياه رئيس قادم من الجنوب إلى الأحياء العطشى في المنطقة ذاتها وإلى عمان. والأدهى أن هذه الكمية الضخمة من المياه لا تذهب فقط لري مزارعه الفارهة والواسعة وبركته الضخمة، بل يخصص جزء منها لـ "الاستثمار والتجارة"، عبر بيعها لصهاريج المياه الخاصة لإعادة بيعها لسكان الأحياء العطشى، ليغسلوا عنهم عناء يوم احتجاج وغلق لشوارع عامة وحرق للإطارات، بحثا عن قطرة ماء!
في الزرقاء، التي نشرت "الغد" أمس تقريرين موسعين حول أزمة المياه التي تضرب الآلاف من سكانها وعائلاتها منذ أسابيع دون رحمة، تفاجئك تقارير وزارة المياه بأن نحو 16 % من مياه مصادرها المائية التي يفترض أن تذهب لإرواء الأفواه العطشى، تذهب في السرقات والاعتداءات على مصادر المياه وخطوطها!
في عجلون، يحدثك معنيون عن قيام البعض بتخريب بعض المصادر المائية، وبعض خطوط مياه المجاري، للحصول على مياه لري بعض المزارع، ما يلوث مصادر مائية رئيسة للمحافظة، ويقطع إمدادات المياه عن الآلاف من سكانها!
وغير ذلك الكثير من القصص والقضايا المسكوت عنها، التي ترتبط في غالبها بقيام متنفذين أو أصحاب حظوة أو مستهترين بالسطو على المياه العامة ومصادرها وخطوطها، وبكميات كبيرة. ويسر المسؤولون، الذين يشكون قلة الحيلة! أن الاعتداءات والسرقات تضاعفت بصورة لافتة في الشهرين الأخيرين!
عشرات المخاطبات الرسمية المتبادلة بين مسؤولي وزارة المياه وبين الحكام الإداريين والأجهزة الأمنية بضرورة معالجة مثل هذه الاعتداءات، تذهب هباء منثورا؛ فالكل يتجنب التصدي لعلاج المشكلة وتطبيق القانون، ولا يعوز بعض المسؤولين السياسيين التذرع بقصة الربيع العربي والأردني، وحساسيات استثارة بعض المناطق والشخصيات النافذة!
ضمن هذه الصورة، تلح على الخاطر مفارقة مبكية مضحكة؛ فالصقور في المؤسسة الرسمية والحكومة، الذين يتصدون للمطالبين بالإصلاحات السياسية الحقيقية وبمؤسسات دستورية فاعلة وذات هيبة وكاملة الدسم، هم أنفسهم، بكل جبروتهم وسلطاتهم ونفوذهم، و"احتكارهم المطلق للوطنية والحقيقة"، تراهم حمائم هناك، بل عصافير منزوعة الريش والسطوة، أي مع من يسطون على المياه والكهرباء، ويستبيحون القانون وحقوق العباد والبلاد!

majed.toba@alghad.jo

التعليق