نضال منصور

حين يراق الدم في الجامعات الأردنية!

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً

عشت في جامعة اليرموك خمس سنوات بين أعوام 1979 وحتى 1984، ولم أسمع أو أشهد مشاجرة واحدة في حرمها الجامعي أو على أبوابها، وطوال هذه المدة عرفت أصدقاء كثرا، ولم أتذكر يوماً أنني سألت أيا منهم عن بلدته أو موطنه الأصلي، ولم يسألني أحد كذلك، كنا نعرف ماذا يدرسون وانتماءاتهم السياسية ودورهم الطلابي، فلم يعرف الزميل الكاتب الصحفي أحمد أبوخليل يوماً بأنه رمثاوي، بل كان قائداً طلابياً ينتمي للشيوعيين واليسار.
وهكذا كانت العلاقات داخل الجامعات تتأسس وتنمو، فعدا عن المسار الأكاديمي، كان الصراع السياسي والفكري المرتبط بقضايا الأردن والحريات، ومقاومة الأحكام العرفية، والعمل لتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية هو الذي يسود وهو الذي يعلو.
رغم ضراوة هذا الصراع السياسي بين الأفكار والاتجاهات، لم تُرفع عصاً بين الطلاب المتصارعين سياسياً، ولم يُشتم أحد، أو يُقذف حجر في أي اتجاه كان.
منذ أن قررت الدولة الأردنية وأجهزتها الأمنية ضرب العمل السياسي الطلابي في الجامعات، بدءاً من الجامعة الأردنية في أواخر السبعينيات، وجامعة اليرموك بعد اقتحامها بقوات البادية والأمن منتصف الثمانينيات والانهيار يتواصل، ويأتي على كل شيء.
قبل عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 كانت السياسات الأمنية تجهز على الجامعات، وبعد الرعاية والدلال الذي حظيت به حركة "الاخوان المسلمين" في الجامعات طوال عقدين لتوظيفها في المعركة ضد اليساريين والقوميين وحركة فتح، بدأت العقلية الأمنية تصنع معركة أخرى؛ قطباها الحركة الطلابية الإسلامية في مواجهة تجمعات عشائرية تحت مسميات مختلفة، تارة "وطن"، وأحياناً بأسماء أخرى، وغالبيتهم يجري تحشيدهم في مختبرات الدوائر الأمنية داخل الجامعات وأعني عمادات "شؤون الطلبة".
أكثر من عشرين عاماً مرت على هذه اللعبة، وقيادات الدولة الأردنية تتفرج على تهشيم الجامعات والموت البطيء لها، ورغم كل التحذيرات من أطراف مختلفة ظلوا يصمون آذانهم ولا يسمعون ولا حتى يرون.
النتيجة خلال العقد الماضي على وجه التحديد أن الجامعات وصمت بأنها أماكن لـ"الزعرنة"، والبلطجة، وترسيخ الولاءات الفرعية، وضرب قيم المواطنة، وصاحب ذلك بالطبع تراجع العملية الأكاديمية، وللأسف مسخت صورة دكاترة الجامعات بعد أن أتخموها بالمحسوبية، وأصبح بعض الأساتذة الأكثر ظلامية من الطلبة.
بعد حظر ومحاصرة العمل السياسي في الجامعات تفشت الأمية الأكاديمية والمجتمعية، ولم يعد الطلاب يشعرون بانتماءاتهم لهذه المنارات العلمية، بل أصبحت عبئاً عليهم، لا يعيشون متعة أيامها، وينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي يحملون "كرتونتها" أي شهادتها، وينتقلون للشارع حاملين أمراضاً استوطنت معهم خلال دراستهم الجامعية.
لم يعد ثمة شيء محرم في "حرم" الجامعات، فالأسلحة تسللت، والمولوتوف أصبح أمراً واقعاً، أما الأسلحة البيضاء فحدث عنها ولا حرج، وبعد كل غزوة عشائرية في الجامعات تتخذ القرارات الحاسمة وتعقد المؤتمرات لتشخيص أزمة تنامي العنف الجامعي، وبعد أيام من هدوء العاصفة يتسلل النواب والوجهاء للضغط لإلغاء العقوبات بحق من اعتدى ومن أحرق من الطلبة!
بلطجة الجامعات انعكاس للبلطجة في الشارع، وباختصار لن تنتهي، ولن تتوقف، ولن تُحل، ما لم يُحاسب من يَصِلون الليل بالنهار لضرب قيم المواطنة والعدالة، وتعميق العصبيات، والتجاوز على سيادة القانون.
كل هذا العنف في جامعة مؤتة، ومن قبل في الكثير من الجامعات، وما تزال الحكومة وأعوانها يتشبثون بقانون الصوت الواحد، وينظرون له، ويدافعون عنه دفاعا مستميتا، وهو علة هذا التفتيت المجتمعي، فمتى تفيق الدولة من سباتها، وتعرف أن ما يحدث في جامعة مؤتة تصنعه بيديها، وبدلا من النواح فلتتركنا من وصايتها واختباراتها!

nidal.mansour@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر ا (Maya)

    الأحد 15 تموز / يوليو 2012.
    أستاذي. بداية اشكرك على ما تقضلت به من مقال مجمل لما تأن به جامعاتنا الآن واضافة لما تفضلتم فإن الشغب الجامعي ايضا هو نتيجة لتردي القيم الاخلاقية في مجتمعنا وغياب مفهوم المواطنة الصالحة التي تنبثق من نواة العائلة والحي. وللاسف فلقد لعب المجمتع والإعلام دور كبير في انحطاطهما.،عندما قاما بتهميش وتقزيم فكرالمواطن وحاجاتة المعنوية، عوالتركيز على حاجاتة المادية وحسب.
  • »حين يراق الدم (khaled)

    الأحد 15 تموز / يوليو 2012.
    النظام هو الذي صنع العنف في الجامعات وخارجها وذلك من خلال سياسته التي تحارب قيم المواطنه واسس الدوله المدنيه.