د.باسم الطويسي

الصحة النفسية والعقلية للناس

تم نشره في الاثنين 25 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 25 حزيران / يونيو 2012. 03:43 صباحاً

الصحة النفسية والعقلية للمجتمعات العربية تشهد تدهورا متسارعا. وربما أن الأوضاع التي شهدتها المجتمعات العربية خلال أقل من عامين من عمر الربيع العربي، قد ضاعفت تدهور الأحوال النفسية وربما العقلية للملايين من البشر الذين ارتفعت تطلعاتهم فجأة حتى وصلت عنان السماء، ثم وجدوا أنفسهم في هذا الوقت في حيرة وخوف على المستقبل والقادم، يصل حد المرض.
كانت المؤشرات في السنوات الماضية  تدل على أن من يعانون من الاكتئاب في العالم العربي قد يتجاوزون نسبة 20 % من مجموع السكان. ولا توجد تقديرات جديدة، لكن القراءات الأولية ربما تشير إلى أن هؤلاء قد تضاعفوا خلال أقل من عامين، ليس بفعل أن الثورات قد اختطفت، أو في طريقها إلى الاختطاف، ولا لحجم الصراع والاشتباك المعقد الذي يواجه الجميع وفي كافة التفاصيل، ولا بسبب ازدياد حدة الفقر والانكشاف الاقتصادي الذي باتت تواجهه هذه المجتمعات أكثر من أي وقت سابق، وربما ليس لتضخم مشاعر النقمة نتيجة اكتشاف حجم الفساد وكم احتيل على هذه الشعوب وتم استغفالها، فربما يغفر كل ذلك، ليبقى مصدر تلك الكآبة مستعصيا؛ فهذه الشعوب مطلوب منها أن تدفع الثمن أضعافا مضاعفة في كل خطوة تخطوها نحو التغيير والبحث عن الخلاص.
في ضوء  الأحداث المتسارعة، لم يعد معنى التغيير كما كان يدركه الناس. لم يعد هناك أي معقول يركن إليه الناس أيضا؛ فكل شئ وارد، وكل احتمال قابل لأن يتحول إلى واقعة في اليوم التالي، فيما ثمة استعصاء عجيب يلح باستمرار الماضي الذي يخرج من كل مكان، ونجده في كل التفاصيل، حتى بات الناس يتلمسون رؤوسهم خشية من الجنون، فيما ينتشر ضعف اليقين في كل التفاصيل، وتتراجع الثقة ويتضاءل رأس المال الاجتماعي وسط حالات من الانفعال والحدة التي تسم الأفعال وردود الأفعال.
كان المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، في نهاية الثمانينيات، يقول إن العرب ينشرون في العالم أكثر الانفعالات والمشاعر حدة. وذلك على وقع عمليات المقاومة التي كانت تؤطر المشهد السياسي في ذلك الوقت. تلك اللحظة تعد واحدة من التعبيرات المختنقة التي أخذ صوتها يرتفع شيئا فشيئا، حتى وصلت أوجها مع مطلع العقد الأول من الألفية الجديدة.
وبينما يمر التاريخ النفسي للجماعات المضطهدة بأحوال ومناخات قاسية ومتناقضة من عقدة العار والذل وصولا إلى لحظة المواجهة والتمرد على الواقع، فإن لحظة الشعور بعقدة جرح الكرامة هي الأطول، والتي تطل برأسها في كل مرحلة.
فقد العرب الشعور بالألم لحوالي ثلاثة قرون من حكم الأتراك العثمانيين، إلى أن قادت النخب الأهلية استعادة الشعور بالألم في نهاية القرن التاسع عشر، بعد أن أخذت علما بمدى فوات المجتمعات العربية وتأخرها. وعلى الرغم من الحيوية التي أبدتها المجتمعات العربية خلال العقود الماضية في المقاومة والرغبة في التغيير، إلا أن التغيير الذي لم يأت أفقدها الشعور بالألم، وقبله الشعور بالأمل؛ فقد تحولت إلى مجاميع غرائزية لا تحرص على شيء أكثر من استمرار أسباب الحياة الأولية في هذا الجزء من العالم الذي أصبح بالفعل ثقبا أسود في لحظة ما في كل ما يشير إلى آدامية الإنسان.
أزمة الخوف المتبادل بين تعبيرات الدولة الدينية والدولة المدنية، والتي عبرت عنها الانتخابات العربية في واحدة من أوضح صورها هذه الأيام، هي أحد الأمثلة التي تدل على  حالة الاستعصاء والاكتئاب؛ إذ نجد خوفا متبادلا من الإقصاء المتبادل باستخدام الأصول الثقافية وبتوظيف العمق المجتمعي والحاجة للطمأنينة والعمق الديني وطاقته التعبوية في استثمارات سياسية، تتبادل أشكالا من العنف المادي والعنف المعنوي معاً، ما يجعل الناس تخشى على رؤوسها بالفعل قبل أن تخشى على سلامة ما في داخل هذه الرؤوس.
أكثر ما يحتاجه الناس هذه الأيام من الثورات العربية ومن الديمقراطيات المنتظرة قبل السياسية هو الأمل واستعادة الطمأنينة.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل زمن الربيع في بلادنا قصير الى هذه الدرجه ، ليت الخريف لا يطول !!!! (عايده مهاجر)

    الاثنين 25 حزيران / يونيو 2012.
    ربما نحتاج الى التفكير مليا في مصطلح "الربيع العربي " فكم كنا سعداء في التجربة التونسية ثم المصرية سرعان ما فجعنا باحداث ليبيا التي كشفت عن صراعات اكبرمن الحلم العربي في التغيير والتـأثير بمصيره وكم كانت اليمن كفلم رعب انتهى بنهاية غير سعيده وسوريا هالوين يومي مستمر ،،، كيف لا نتأثر ؟؟ كيف نحافظ على التوازن داخل بيوتنا وقد وصلها الانقسام ( صرنا نتحدث في البيت الواحد بين مع وضد ، يتنهي بمشاعر الغضب والتوتر ) مؤشرات الصحه النفسية في قاع السلم وقد نحتاج الى وقت طويل حتى نستعيد تفائلنا والتخلص من مزاج النكد والتشاؤمية للاحداث التي نعيشها داخليا على المستوى الاقتصادي بالدرجه الاولى وعلى الصعيد الخارجي لما يحدث في بلاد الاشقاء ...