نادر رنتيسي

ما لا يخاف منه الناس!

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

أطفأتْ المُمَرِّضة الضوء الأبيض لأنام. كانت الغرفة خالية من المرضى الأطفال الذين استخرَج لهم آباؤهم رخصا لمغادرة المستشفى، وبقيتُ فيها وحدي لأن أبي لم يُقنع الطبيب بملاءمتي للحياة. أردتُ النوم، لكنه تأخَّر كثيرا على صبيٍّ في الخامسة والنصف، فتفاقمتْ مخاوفي التي كان أشدُّها رعبا ألاَّ أستطيع مشاهدة حلمي بوضوح!
وخرجتُ رغم عدم قناعة الطبيب بملاءمتي للحياة. شعرتُ بذلك من الخوف الذي لجم أبي عن الحديث، والردِّ على أسئلتي المفزوعة، من تلك التي تراوِدُ الناس جميعا، خصوصا سؤالي المتوتر:"هل سأعيشُ حتى الخمسين؟!"..؛ والآن أنا خائفٌ مما لا يخافُ منه الناس..أنْ أنامَ في التاسعة مساء في التاسعة والخمسين من العمر بلا زوجة رؤوم!
نمتُ على ضوء أحمرَ خافتٍ تركته أمِّي لأشاهدَ أحلامي بوضوحٍ، وجاءني أبي في المنام وأخبرَني أنه سيسافرُ في الخمسين، ومنذُ ذلك الحين تجنَّبتُ النومَ وسط أيِّ إضاءة، وصرتُ أخافُ من الأحلام الليلية التي لها عرض ثان في الواقع..؛ وأخشى كثيراً من طلوع نهار، وكلما جاء جديدٌ تمنَّيتُ أن يعود القديم، أن يعودَ الوراء تحديداً..؛ فهناك رحمُ أمي و"رحمة" أبي!
في منتصف العمر الآن، كلما ذهبتُ إلى الأمام تقلصَتْ مساحة الأمان، وينتابني قلق شديد من الفشل،  فأخشى أن أتمَّ الحياة ولا أجد ما أضعته قبلها.. أن أعيش أكثر ولا أجد مبرِّرا واحدا للبقاء رقما في سجلاَّت الأحوال المدنية. قال الطبيبُ إنَّ لديَّ "فوبيا"، فزادني كلامه هلعا، ما يعني أنَّ لديَّ مرضا جديدا قد يدفعني إلى الموت، وكلما متُّ من الخوفِ عدتُ إلى الحياة مكسوراً..؛ كرجلٍ ذهَبَ إلى الموت فرفضَتْه المقابر!
كائنٌ من الخوف أنا..؛ كل ما يصدرُ عني من شجاعة طارئة ليس أكثر من تبول لا إرادي. حتى حينما خرجتُ في المظاهرة مع متظاهرين شجعان تراجعتُ إلى الصفوف الخلفية، وعندما اندلعتْ الحرب تابعتها عبر التلفاز. وخشيتُ من الخروج مجددا إلى الشارع، فأخافُ من الشرطيِّ إنْ أطلق الرصاصَ في الهواء..؛ قد يقتلُ الحمامة البيضاء فأخطئ في توقيت السلام!
أحبُّ الحياة لكنَّني على ما يبدو لم أستطع إليها سبيلا، مشيتُ إليها مع أخوتي لكنهم تزوَّجوا تباعاً، وجرَّبتها مع أصدقائي لكنهم كانوا بالغي الودِّ فقط حين أكون بخير، ما زاد ريبتي ودفعني إلى الناس الذين لا أعرفهم، فاكتسبتُ شجاعة لم أعرفها، وعشتُ كما لم أعش من قبل، بملء خوفي من ألا يكفي العمر لذنوب أخرى..؛ وعمر آخر لمحوها!
أريدُ النومَ..؛ لكنَّ الممرضة تأخَّرت في إطفاء الضوء الأبيض، وتأخَّرتُ بذلك عن دورة الحياة: عن خشية الليل، وفراغ العتمة، ونوم أمِّي المبكِّرِ، وظهور أبي في المنام مُعاتباً: مِنْ بَيْن كلِّ النساء لم تتزوَّج إلا الوحدة!
وما زلتُ قلقا، خائفا، فزعا، مرعوبا، متوترا..؛ كأنني سأتزوَّج "الأمان"، فمرتابٌ منكِ أريدُ مسافة تفصلني عنكِ بمقدار خطوتين لأفكِّر على مهل، فكلما تردَّدتُ تأخرتُ..؛ وكلما تأخرتُ نمتُ في طمأنينة يوم ولادتي في العام 1979..!
هنا الحياة سأعيش وانتظر موتَ الأشجار وقوفاً. لا أخاف من شيء الآن، ولدي ثقة آمنة مما سيأتي (أخاف أكثر أن يتكرَّرَ ما مضى) وأخشى من الذكريات كالطغاة.. ها قد عرفتُ ما لم يعرفهُ الطبيبُ الأخرق؛ فأنا خائفٌ منِّي، ومن اسمي الذي يحملني!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عش كما انت (ربى محمود)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    و كلما متُّ من الخوف عدّت إلى الحياة مكسورًا ... كرجل ذهب إلى الموت فرفضته المقابر " هذه الجملة "علامة" على أن المقابر ترفضك و الحياة تنتظرك و ترحب بك !يا سيدي : عِش الحياة بطولها و عرضها و قُطرها و مساحتها ، فهي تستحق أن تُعاش . و اعلم أن هناك أناسا ماتوا قبل الخمسين على الرغم من أنهم ليسوا " نادرين " !!!!!!!!!!!
  • »تاريخ الخوف العربي (هند سمارة)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    أحسست بشيء رهيب في أعماقي

    بعد فلسفي بوجوه كثتيرة ... كأنني أمام تاريخ العرب كله

    امام انتصارات وانهزامات امام اخفاق ونجاح

    امام وجه الموت المشرق بشرف

    امام الحياة والامل
  • »كأنني سأتزوج الأمان (أيهم شاهين)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    كأنني سأتزوج الامان.. ها انت اذان تختصر كل مخاوفي بهذه الجملة البسيطة!!
  • »صادق حد الوجع (دالين)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    في زمن الطوفان لا ننتقي اطواق النجاة! فكل القشات في زمن الطوفان منقذة ! لأنها تجيد السباحة إلى شاطىء ما ! حتى وان كان الشاطىء المحطة الخطأ ,, صادق المقال حد الوجع .. تحياتي
  • »خوف نحتاجه لحياة ليست آمنة (مي عز)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    لولا شيء من الخوف لصرنا نتخبط في الطرقات الكاذبة
  • »لا امان (لينا قدري)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    كلما ذهبت الى الأمام تقلصت مساحه الأمان ..
    رائع يا نادر ..
  • »جمعة مباركة (محاسن أحمد)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    اللهم آمن روعاتك يا نادر ,, دام صباحك وجمعة مباركة مليئة بالأمان والسلام .
  • »صادق لابعد حد (بشير عبيد الله)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    رااااائعه .. احترم الصدق في كتاباتك ..
  • »اخاف ان .. (بان)

    الجمعة 15 حزيران / يونيو 2012.
    فاخاف من الشرطي ان اطلق الرصاص في الهواء...قد يقتل الحمامة البيضاء فاخطئ في توقيت السلام !!!!!!!!! روعة يانادر