نضال منصور

العرب وحقوق الإنسان

تم نشره في الأحد 27 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

 سويسرا وتحديدا جنيف، ليست عاصمة عالمية للشوكلاتة والمصارف فقط، وإنما أيضا الحاضن الأكبر لمؤسسات الأمم المتحدة، وخاصة مجلس حقوق الإنسان وهي بذلك تستحق بجدارة لقب عاصمة حقوق الإنسان.
هذه الأيام كانت جنيف تعج بالصراع الحقوقي الذي يعكس حتما وجهاً لصراع سياسي، وتجلى ذلك خلال مناقشة الاستعراض الدوري الشامل لواقع حقوق الإنسان في عدد من البلدان العربية والإجنبية.
في الأيام الماضية كانت مناقشة تقارير حقوق الإنسان في كل من البحرين وتونس والمغرب مثيرة للجدل، وتلقي بالضوء على التحولات العاصفة التي عاشها العالم العربي العام الماضي.
الاستخفاف الذي كانت تمارسه الحكومات العربية تجاه قضايا حقوق الإنسان والتقارير الدولية ماعاد ممكنا الآن، لذلك فهي تحشد الخبراء، وتكلف وزراءها لحضور هذه الاجتماعات الدولية، وتعد التقارير التي تتحدث فيها عن إنجازاتها في ميدان حقوق الإنسان، والتطورات التي أدخلتها في عملها لتتواءم مع المعايير الدولية.
إن صلف الإنكار والإتهام لم يعد يجدي نفعاً، وكيل الاتهامات للمؤسسات الدولية بأنها تتآمر عليها منطق لا يباع ولا يشترى.
البحرين محطة ساخنة في ملف حقوق الإنسان، والحكومة التي حشدت فريقا من 30 ممثلا على رأسهم وزير في الحكومة، وجدت أن مؤسسات المجتمع المدني البحرينية لم تترك لها الساحة لتسرد الوقائع والحقائق كما تريد، بل عقدت إجتماعا تحدثت فيه عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في البحرين، ووقفت مريم ابنة الناشط السياسي والحقوقي عبدالهادي الخواجا لتروي معاناة والدها المضرب عن الطعام، ومعاناة نشطاء حقوق الإنسان في بلادها.
أزمة البحرين بين المعارضة والسلطة دفعت رئيسة مجلس حقوق الإنسان، وفي سابقة لم تحدث من قبل، إلى طلب ضمانات من الحكومة البحرينية أن لا يتعرض أي من وفد المجتمع المدني الذي حضر إلى جنيف إلى مضايقات أو ضغوط.
ما حدث مع البحرين حدث مع تونس أيضا، فالإيجابية التي تحدث بها وزير حقوق الإنسان التونسي، وموافقته على أكثرية التوصيات التي قدمت له، وتأكيده على التزام حكومته، وعملها منذ الثورة على احترام منظومة حقوق الإنسان، لم ترحمه من أسئلة إشكالية حول توجهات حزب النهضة الإسلامي في ميدان الحريات الشخصية وخاصة ما يتعلق بالمرأة، ولم يتفهم بعض الحضور كلام الوزير بأن الالتزامات الدينية التي تتبناها حكومته لا تتعارض مع منظومة حقوق الإنسان.
المغرب لم يكن خارج خريطة الانتقادات، وإن كان من أكثر الدول العربية تسليما بملاحظات وتوصيات الدول في مجلس حقوق الإنسان.
وحتى السعودية لم تسلم هي الأخرى، فعلى هامش الاجتماعات عقد لقاء عن واقع حقوق الإنسان في السعودية، والمفارقة أن أكثر المتحدثين في هذا اللقاء كانوا سوريين ولم أجد بينهم متحدثا سعوديا، وهو ما دفعني للبحث عن أصابع سياسية تحرك بعض الملفات في جنيف، في إطار لعبة تصفية الحسابات بين البلدان العربية.
هذا المشهد دفع دبلوماسيا يمنيا خبيرا في جنيف ودهاليزها ليقول لي "لم يعد مجلس حقوق الإنسان قوة حقوقية فقط، بل أصبح حصان طروادة وقوة سياسية تستخدم للضغط على الدول".
وسواء اتفقنا مع الدبلوماسي اليمني أو اختلفنا، فإن دور مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بدأ يخطف الأضواء بعد الثورات والحركات الاحتجاجية في العالم العربي.
على هامش اجتماعات مجلس حقوق الإنسان الذي أحضره مع فريق من القانونيين والحقوقيين ممثلين لمركز حماية وحرية الصحفيين، أعلن تقرير بعثة تقصي الحقائق في سورية، الكشف عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يمارسها النظام السياسي، ولم يبرئ التقرير الجيش السوري الحر منها.
الأهم أن الأردن على موعد في تشرين الأول (أكتوبر) من العام القادم لمراجعة سجله في حقوق الإنسان، وعليه أن يستعد منذ الآن لجردة الحساب، وأن يقول ماذا فعل للعالم، وعلى المجتمع المدني الأردني أن يتهيأ ليلعب دوره كاملاً، وأن يمارس ضغطاً على حكومته لتنجز ما لم تنجزه في قضايا حقوق الإنسان، وإلا فإنه سيقرع الجرس، وينشر خطاياها على الملأ.

nidal.mansur@alghad.jo

التعليق