عيسى الشعيبي

المصالحة الفلسطينية.. التفاؤل ممنوع

تم نشره في الأحد 27 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

 منذ أن تم الإعلان فجأة عن التوصل إلى اتفاق جديد لتنفيذ اتفاق المصالحة العتيد بين طرفي الانقسام الفلسطيني المديد، لم أعثر طوال الأيام القليلة الماضية على تصريح أو موقف أو مقال واحد يعبر عن أدنى درجة من درجات التفاؤل بإمكانية تحقيق هذه الأمنية شبه المستحيلة في المدى الزمني المنظور، ولم أر في الوقت ذاته أي إشارة جدية على وجود نية صادقة، أو تغير محتمل في المواقف المعلنة سابقاً إزاء إنهاء الانقسام.
ذلك أن الإعلانات المتكررة والإخفاقات المتواصلة على قدم وساق، ملأت الكؤوس خيبات أمل تنضح بالمرارة، وجعلت المبشرين بهذه المصالحة في وضع أقرب ما يكون إلى وضع الراعي مع الذئب، لا يصدقهم أحد حتى وإن أقسموا بأغلظ الأيمان أن الأمر حقيقي هذه المرة، وقالوا لنا إن الفيلم جديد، وإن وحياً لا سابق له قد هبط على قلوب من وقعوا في الحفرة، واستمروا في الحفر بلا هوادة.
وأحسب أن اللذين وقعا على إنفاذ اتفاق المصالحة قبل عدة أيام في القاهرة، لم يكونا واثقين مما أبرماه تحت رعاية جهاز المخابرات المصرية. وليس أدل على ذلك من تضمين الاتفاق الجديد بنداً ينص على أنه "في حالة تعذر إجراء الانتخابات في الموعد المتفق عليه، نتيجة أي سبب خارج عن إرادة الأطراف المعنية، يلتقي الطرفان ـ فتح وحماس ـ لبحث إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة برئاسة شخصية مستقلة يتم التوافق عليها".
وليس من شك في أن هذا الاستدراك يكفي وحده لبعث كل الشكوك القديمة من مهدها مرة أخرى، وتقويض كل تفاؤل بإمكانية نجاح المصالحة المنشودة، حتى وإن صدقت بعض النوايا لدى من لا يملكون في الخارج ناصية القرار في غزة المنهمكة في تثبيت سلطة الأمر الواقع، وانتزاع ما يمكن انتزاعه من الاعترافات الإقليمية بشرعيتها، وعقد الرهانات على مخرجات الانتخابات المصرية، وجعل الحقائق الانقسامية الضاربة في العمق تحسن الدفاع عن نفسها بنفسها مع مرور مزيد من الوقت.
ولعل بعض الإشارات القليلة الصادرة مؤخراً من غزة، تشي بالحقيقة كما هي في الأصل عارية، ألا وهي أن القديم على قدمه ولا شيء جديد، قد تتغير النصوص ولا شيء يتبدل في النفوس، وقد يقتضي الأمر التماهي مع المطالب الشعبية بعض الوقت، إلا أن المصالح الفئوية باقية طوال الوقت، وأن من ينتظر حدوث المعجزات عليه أن يحترف الانتظار، ويواصل العد بالسنوات، لا بالأسابيع والشهور.
وقد يكون من المفيد التذكير بأن كل مشاريع المصالحة الفلسطينية الموؤودة في مهادها، كانت تبنى على إجراء انتخابات عامة كمخرج نهائي من حالة الانقسام الراهنة، وأن السبب الوحيد الكامن وراء سلسلة الإخفاقات هذه، يتمثل أساسا في رفض حركة حماس العودة إلى صندوق الاقتراع مرة أخرى، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية من جديد، اعتقادا من الحركة التي فازت في آخر انتخابات جرت قبل نحو ست سنوات، أنها لن تتمكن من تحقيق فوز مماثل، ومن ثمة التفريط بما بين أيديها من أغلبية حاسمة.
وهكذا تبدو مسألة الانتخابات كأنها العقدة التي تستعصي على منشار المصالحة، وأن التمسك بها كممر إجباري لإنهاء الانقسام يقضي على كل اندفاعة إلى الأمام محتملة، ويخلق كل الذرائع للامتناع عن خوض غمارها، بما في ذلك ذريعة التزوير والخوف على مشروع المقاومة، وما إلى ذلك من هرطقات سياسية تفيض تباعاً على ألسنة كثيرين ممن يتوهمون أن غزة تحررت، وأن إمارتها قيد التشكل، خصوصاً إذا فاءت الانتخابات المصرية برئيس إخواني، وانفتح معبر رفح على مصراعيه بدلاً من الأنفاق، وجرى وضع سمن مصر على عسل غزة.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق