د.باسم الطويسي

رفع الأسعار ونزع الصواعق

تم نشره في السبت 12 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

الكثير من الناس في الأردن يدركون أن مسألة رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والخدمات مسألة وقت لا أكثر. والكثير من النخب السياسية والاقتصادية داخل مؤسسات الدولة وفي المعارضة تدرك أن لا خيار لوقف التدهور في أوضاع المالية العامة للدولة، واتساع الفجوة المتعلقة بعجز الموازنة العامة، إلا بمراجعة سياسات الدعم. في المقابل، يعلم المجتمع الأردني ويدرك تماما، فقيره وغنيه ويمينه ويساره، أن الدولة بحكوماتها الأربع الأخيرة كان بإمكانها نزع صواعق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يتخوف الجميع منها في حال الإقدام على هذه المراجعة، لكنها لم تفعل ذلك، ودخلت في لعبة شراء الوقت، وأدخلت البلاد في حلقات مفرغة.
اليوم، مطلوب من الحكومة الحالية التي تأتي في مرحلة من أسوأ مراحل تعثر الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وعلى ميراث قريب قاس خلفته الحكومات السابقة، أن تقوم بالمهمة، وأن تبدأ صفحتها الجديدة بالقيام بمهمة تشغل الرأي العام عن مهمتها الأساسية، وهي الانتقال بالبلاد إلى استحقاق الانتخابات المبكرة، ما سيجعل الأمر أشبه ما يكون بالانتحار السياسي البطيء.
المعلومات تذهب إلى أن خطوات ستتخذ بدءا من هذا الأسبوع لرفع أسعار بعض مشتقات الطاقة والوقود، وحسم الجدل على تعرفة الكهرباء، ورفع سلع أخرى وصفت بأنها كمالية. ومن المعروف أن أسعار الطاقة بكافة أشكالها سوف تنعكس مباشرة، وبحد أدنى يبلغ ضعف قيمة الرفع المتوقع، على أسعار مصفوفة طويلة من السلع والخدمات التي تصيب القواعد الاجتماعية العريضة التي ترزح تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة وتهميش طويل، وفي أجواء من الاحتقان الشعبي، وتحديدا في المحافظات.
لقد أجّلت الحكومات السابقة خلال العامين الماضين اتخاذ قرارات اقتصادية برفع أسعار هذه السلع خوفا من أن تشكل هذه القرارات صواعق للأوضاع الاجتماعية، على خلفية الحساسية العالية والخبرة المعروفة محليا وعالميا بخطورة الاقتراب من قوت القواعد الاجتماعية. وقد أجلت تلك الحكومات هذه القرارات، لكنها لم تفعل شيئا، كما الحكومة الحالية، لجعل المجتمع الأردني يتحمل هذه القرارات ويتكيف معها.
كان أمام هذه الحكومات أربعة ملفات أساسية لنزع صواعق أزمة اجتماعية كبرى، وتهيئة الناس للتضحية وقبول قرارات اقتصادية صعبة. ما لم تفعله الحكومات هو، أولا: حسم ملف الفساد؛ بل ذهبت إلى المناورة في هذا الملف المرتبط بكرامة الناس وقوتهم معا. إذ فتح باب التنفيس السياسي في الحديث عن الفساد على مصراعيه، وأشبع الناس أمنيات ووعودا، لكن المحصلة بعد عامين هي مثل ذر الرماد في العيون. ثانيا: الفشل في إعادة تكوين النخب الرسمية على أسس الكفاءة والنزاهة. لم تتوفق الدولة والحكومات في إخراج نخب جديدة مقنعة للناس، بل قامت بإعادة تدوير وإنتاج النخب ذاتها رغم حجم النقمة الشعبية. ثالثا: استمرار الفشل في ملف تنمية المحافظات؛ فلا جديد يذكر سوى الاعتراف الخجول بالتهميش التاريخي الاقتصادي والسياسي، بينما فتح هذا الاعتراف شهية نوع آخر من الفساد سوف تبدأ أخباره قريبا بالانتشار، تمارسه مؤسسات شبه حكومية ومنظمات أسست تحت يافطات المجتمع المدني.
رابعا: الصمت عن إصلاح العلاقة بين السوق والدولة والعلاقة بين السوق والمجتمع، وفي مقدمة ذلك تفعيل المبدأ الدستوري المتمثل في الضريبة التصاعدية.
هل كانت هذه الإجراءات تحتاج كل هذا التريث والتأجيل والمناورة؟ لنتصور أن بعض هذه السياسات والإجراءات قد تمت بالفعل، بدون شك ستشكل بيئة ملائمة للتكيف مع أي قرارات اقتصادية صعبة، وستنزع فتيل أي أزمة منتظرة، ولكن لا شيء مما ذكر قد نفذ، فمن سيدفع الثمن؟

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المزيد من الصواعق (ماهر محاميد)

    السبت 12 أيار / مايو 2012.
    كان بالفعل على الدولة ان تقنع المواطنيين برفع الاسعار بخطوات جادة وعلى رأسها الحد من الفساد واستعادة اموال الشعب التي سرقها الكبار ، ومحاكمة العابثيين بالاقتصاد ، لكنها لم تستطع فعل ذلك واكتفت بتسلية الناس باطلاق الاشاعات بالتوقيف لبعض المسؤولين بدون محاكمة بينما ان ينتظرون حلقة جديدة من رفض عدم تكفيل فلان وعلان ، ثم بعد فترة يتم تكفيله ، وينسى الملف ، هذه البيئة ستزيد المزيد من الصواعق والمزيد من التوتر ، اشكر الكاتب على هذا الطرح وهذا الشرح المفيد
  • »مرحله ما بعد رفع الاسعار (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    السبت 12 أيار / مايو 2012.
    لم نستطع وقفها امس ولن نستطيع وقفها في الحاضر والمستقبل .هذا قدرنا بأن نبقى نحترق بلهيبها .انظر لوجوهنا سترى اثر نيرانها شوهت وجوهنا واحلامنا ومستقبلنا وفكرنا .......
    ايتها الاسعار لو كنت رجلا لقتلتك .
  • »إقرار قانون ضمان عادل عامل تهدئة مهم (إبن هانئ)

    السبت 12 أيار / مايو 2012.
    عامل خامس مهم يحد من الإحتقان الشعبي كونه يمس شرائح واسعة من المواطنين يتمثل في إقرار قانون ضمان إجتماعي عادل ومنصف وغير مجحف كما هو حال القانون المؤقت الحالي.