أزمة "الأونروا" والتوطين الناعم

تم نشره في الثلاثاء 8 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

العلم الأزرق يكاد يختفي يوما بعد يوم من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، وهو ما ليس عادلا بالنسبة للاجئين الذين تشكل لهم "وكالة الغوث" دليلا عمليا على حقهم في العودة إلى بلادهم. فالعلم الأزرق يعني استمرار دعم اللاجئين، وزواله يعني تلاشي حقهم. وما الأزمة التي يمر بها العاملون في الوكالة محليا إلا ناقوس خطر يستوجب وقفة أردنية وعربية وكذلك دولية، للعلاج.
رغم أن الأردن هو المستضيف لأكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين، إلا أنه الأقل في موازنة الوكالة ضمن مناطق عملياتها الخمس (الضفة الغربية، غزة، سورية، لبنان، والأردن)، والتي تبلغ 100 مليون دولار. وما أزمة الإضراب المفتوح لعاملي "الأونروا" في الأردن إلا بعض من مشهد يعتريه الخطأ شكلا ومضمونا. ولا يبدو أن الحلول التوافقية التي تحاول الحكومة الأردنية، ومعها ممثلو الوكالة وممثلو العاملين، التوصل إليها تحظى بتأييد، أو حتى بالحد الأدنى من القناعة بأن عاملي الوكالة في الأردن يحصلون على حقوقهم؛ فهم يطلبون زيادات في الرواتب تصل في مجموعها إلى 15 مليون دولار، بينما لا تقدم الوكالة إلا سُبع هذا المبلغ. أزمة أخرى تتحملها الحكومة التي لديها ما يكفيها من أزمات واعتصامات للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية؛ بل إن توقيت الإضراب الحالي يزيد الطين بلة، في الوقت الذي تفكر فيه الحكومة الجديدة في رفع الأسعار لتعويض خسائر ذات صلة بقطاع الطاقة، لا سيما المتعلقة بالكهرباء.
ويختلط السياسي بالاقتصادي؛ فالدولة الأردنية تكتفي بالكلام حيال العجز المتفاقم في موازنة الوكالة بخصوص تمويل وتغطية احتياجات اللاجئين في البلاد، والمطلوب أن يكون هنالك ضغط حقيقي، ينجم عنه تركيز النظر وتوفير تمويل أكبر يتناسب مع حجم ومتطلبات اللاجئين، وكذلك تجاوز الذريعة الدولية وتلك التي ترددها الوكالة بأن وضع اللاجئين مستقر وآمن في الأردن، ولذلك يعطى أقل موازنة وهو يحتضن أكبر عدد. ولماذا يتم تمويل اللاجئين في سورية ولبنان بشكل أكبر من مستوى تمويلهم في الأردن؟ وهل سيستمر الأردن في دفع  ثمن الاستقرار والأمن الذي ينعم به من خلال تقليص الإنفاق على اللاجئين؟! ما هذا المنطق؟!
بالنسبة للاجئين، كانت وظيفة الوكالة مغرية، ومطمحا لكثير من أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات في سنوات ماضية. لكنها تحولت اليوم إلى وظيفة هزيلة وطاردة بسبب نقص الحوافز وانخفاض الأجور، وهو ما يجعل أبناء المخيمات يطلبون الوظائف الحكومية، أو حتى في مؤسسات عامة، مما يزيد من حجم التحدي الاقتصادي للدولة التي لم تستدل بعد على طريق تقود إلى تقليص حجم البطالة وسط انتشار بؤر الفقر وتزايدها، لاسيما في الأطراف.
في السابق، كان الفقراء في المخيمات يحصلون على إعاشات من "الأونروا"، وكان الطفل يمنح عند الولادة "كرت مؤن". وهذا الأمر في طريقه إلى الإغلاق؛ إذ ستقدّم الوكالة في المقبل من الأشهر مبالغ مقطوعة، ما يعني إغلاق مراكز وتسريح موظفين، والاستغناء التدريجي عن أعداد كبيرة من العاملين فيها. ووفقا للتسلسل الحاصل، فإن انحسار خدمات "الأونروا" وما يقابله من إحلال لخدمات الدولة، يعنيان في النهاية أننا سنكون أمام انتهاء مهام "الأونروا"، وانتهاء مسمى اللاجئ، وتصفية القضية الفلسطينية بمعنى أكثر خطورة. وكل ذلك يحدث في ظل مساهمة عربية هي الأقل في تمويلات الوكالة، وأميركية هي الأعلى.
إضراب العاملين في "الأونروا" يأتي قبل أسابيع من نهاية العام الدراسي، وسيؤدي إلى إشكاليات كبيرة في التعليم والصحة، نظرا لتعطل خدمات النظافة. وتقليص تلك الخدمات يعني إلقاء العبء على الحكومة الأردنية. إنها وصفة توطين ناعمة، لها خيوطها الخارجية. وعلينا جميعا أن نساند العاملين في الوكالة عبر دعم صمودهم في إضرابهم، وأن تقف الحكومة ومعها المجتمع كله في وجه من يريد للوكالة أن تزول؛ فبقاء "الأونروا" يعني تثبيت الحق السياسي في عودة اللاجئين إلى وطنهم المحتل، وبغيرها فإن المخططات ستمر بدون جلبة أو أي ردود أفعال.

التعليق