د.باسم الطويسي

انتقال القوة والثروة

تم نشره في الأحد 15 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

في السنوات الأولى للعقد الجديد، ومع الموجة الكبيرة في ارتفاع أسعار النفط في العالم، حذر هنري كيسينجر في مقالة شهيرة من بداية مسار تنتقل فيه الثروة في العالم من الغرب الى الشرق ومن الشمال الى الجنوب. وفي عام 2008 توقع مايكل ماكدونيل مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية عملية انتقال لا مثيل لها للثروة والقوة من الغرب الى الشرق، تصحب ذلك حروب أهلية وانتشار أسلحة الدمار الشامل وموجات عاتية من الاعتداءات الإرهابية واستهلاك جائر للموارد الطبيعية وتفاقم لمشاكل المناخ والبيئة.
 هذا ما ذهب اليه التقرير الذي حمل عنوان "الاتجاهات العالمية في2025: العالم المتحوّل" الذي أعده مجلس المخابرات القومي قبل نحو أربع سنوات، وهدف لتحذير واضعي السياسات الأميركية وعلى رأسهم إدارة باراك اوباما في أيامها الأولى، من العوامل التي من شأنها صوغ الاتجاهات العالمية الرئيسية والصراعات الجديدة في العالم في أجواء الأزمة المالية العالمية الطاحنة. ترى هل ما يزال هذا المنظور يحمل نفس القوة بعد أربع سنوات؟
في العادة حينما يدور الحديث عن عملية انتقال للقوة والثروة في العالم، تذهب التوقعات نحو شرق آسيا حيث الصين والهند في المقام الاول، بينما تدخل مجتمعات الشرق الاوسط العربي تضاف إليها إيران في توقعات انتقال أنماط أخرى من القوة، من قبيل التراكم الريعي للثروات النفطية، وعادة يخشى أن تصبح هذه الثروات في لحظة ما بأيدي مجموعات إرهابية أو نظم لا تحسن النية تجاه الغرب، كما ترتبط الهواجس والمخاوف الاستراتيجية بأن الثروة قد تولد طموحات بنمط آخر من التسلح في هذا الجزء من العالم يغير المعادلة التقليدية التي أدارت على مدى ستة عقود عجلة المجمع الصناعي العسكري الغربي في صناعة واستهلاك الاسلحة التقليدية. الهاجس الثالث من تراكم هذه الثروات قد يأتي بأطماع للمنافسة في امتلاك، أو بمعنى أدق إدارة أصول الصناعات التكنولوجية الجديدة وبالتحديد تكنولوجيا المعلومات، ما سيدخل العالم الغربي بحرب ضروس من المنافسة غير المسبوقة حينما تتحالف  الموارد البشرية الهائلة في شرق آسيا مع الموارد النفطية الشرق أوسطية.
 إن انتقال القوة من دولة مهيمنة إلى دولة مهيمنة أخرى نمط تاريخي مألوف، لكن الظاهرة التي يشهدها القرن الحادي والعشرون لا تتوقف عند الانتقال التقليدي للقوة من دولة إلى أخرى بل انتقال القوة من الدول إلى المجتمعات والكيانات. لقد بقيت روما مهيمنة ثلاثة قرون بعد أن وصلت إلى أوج قوتها ولم تركع بسبب صعود دولة أخرى، بل جاءها الموت حسب وصف جوزيف ناي، نتيجة الجراح والطعنات التي تلقتها من قبائل وجماعات بربرية متعددة.
صورة الشرق الاوسط  في المنظور المستقبلي لانتقال الثروة والقوة مشوهة تماما، فما تملكه هذه الشعوب من ثروات ريعية ما يزال أقل من أن يجعلها منافسة للغرب، لأنه لا يوظَف في تغيير نوعية حياة هذه الشعوب، وبالتالي لا يخلق قاعدة اجتماعية اقتصادية نوعية قادرة على توليد ثروات جديدة، بل بقيت وستبقى الثروات في هذا الجزء من العالم مركزة بشكل هائل، وحينما تُستهلك تذهب في الاستهلاك الخدمي الترفهي أو في التسلح أو الإرهاب. إنها ثروات قذرة تحتاج إلى تفكير بطريقة أخرى كي لا توسخ العالم؛ هكذا توصف للأسف!

التعليق