علاء الدين أبو زينة

أسعَد الله الأوقات..!

تم نشره في الأحد 15 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

يقولون: للسفر سبع فوائد! لكن ليس من بينها "مرض الحنين" الذي يشبه دوار البحر للمقلّ في ركوبه. وفي العادة، ينصحون المسافر للسياحة بأن يطرح عنه كل الأفكار والأشياء والعادات، ويذهب إلى المكان الجديد جديدا خالي الذهن. وقد حاولت ذلك في هذه الغيبة الأخيرة. ورأيت، من جملة "التغيير" المؤقت، أن أستريح من قلق الكتابة؛ من عناء البحث عن فكرة تلبي الحدود الدنيا لما يمكن أن يُكتب في جريدة، ويدخل بيوت الناس بما ينبغي من احترام الزائر لصاحب الدار. لكنّها قصة "أصابع الزمّار" إياها فيما يبدو.
وجدتُني أصحبُ معي في التجوال دفتراً وقلماً حيثما حللت، وأدوّن الخواطر في أوقات مستقطعة من التواصل مع الأصحاب. وكان من جملة ما افتقدت، إلى جانب الأشياء الشخصية، هذه الزاوية في أعلى يسار الصفحة حيث اعتدتُ التواجد في السنوات الأخيرة، فأصبحت مكاناً أثيراً أرتاده وأرتاح فيه، بغضّ النظر عن عناء الرحلة إليه. واكتشفتُ شيئاً عن العلاقة الغريبة مع الكتابة المشاكسة؛ باختصار: "القطّ يحب خنّاقه!"
الممارسة الغالبة في الزيارات السريعة هي عقد المقارنات؛ مقارنات بين ما نراه هناك، وبين ما اعتدناه هناك وراء- في الوطن. وتعني المقارنة، بالضرورة، سفر أشيائك التي حاولت تركها وراءك معك، حاضرة بإلحاح في الذهن الذي يعاند نصيحة المتمنين لك "تغيير الجو"– إلا عند المباركين بهبة التكيف السريع والعيش ساعة بساعة. وفي الحقيقة، تزودنا المقارنات بمجموعة تأملات وأفكار جديدة يصلح بعضها لاقتراحها على مواطنيك وبلدك، مستلّة من التجارب واضحة النجاح في الأماكن التي نزورها. وبسبب قصة مشاكسة الكتابة إياها، ضمّ دفتر الملاحظات شيئا من هذه التأملات التي آمل أن أعرضها هنا تباعا.
الفكرة التي تحيط بكل شيء في هذا السياق، بلا مزايدة ولا تنظير، هي طباق بيت الشعر الذي حفظناه في المدرسة الابتدائية: "هَبْ جنّة الخُلد اليمَنْ.. لا شيءَ يعدِلُ الوطنْ". وعلى الرغم من ضيقك بعيوب مكانك الأصلي، فإنك تغارعليه، وتغار من الآخرين لأنّهم أبدعوا في معالجة مواطن التقصير وإبراز النجاحات أكثر من مواطنيك ومسؤوليك. وهكذا، لا تكون المقارنة من باب التشنيع والانتقاد لمجرد الانتقاد، وإنما أقرب إلى طبع النزوع الغريزي إلى أن يكون بلدك أكثر اكتمالاً، بحيث تتصالح معه أكثر، وتصفو علاقتك به وتتباعد فيها مواقف المُشاحنات.
لكنه يفاجئك أحياناً أنك تضطر إلى البدء مرة أخرى من الأشياء الصغيرة التي تؤشر على الاختلالات الكبيرة. مثلاً، بدل أن أكتبَ عن مسألة كلية مثل إحكام دورة الاقتصاد وملامحه في الدولة التي زرتها، برز عنوان أكثر قربا ويومية ضيع الفكرة الكبيرة.
في الطريق إلى الجريدة اليوم صباحا، فوجئ سائق سيارة الأجرة الذي يقلني بالمنحنى القصير الذي يربط شارع الجامعة بشارع المدينة المنورة مغلقا بالحواجز والشاخصات المتأخرة: "تمهل.. أمامك حفريات عميقة". وتبرم الرجل، محقاً، من أن أحدا لم يضع أيّ إشارة تحذيرية، لا قبل عشرة أمتار ولا خمسين ولا مائة، تقول إن الشارع مغلق وتقترح عليك مسارات بديلة. وشكا من نفس الموضوع زميل فوجئ هو أيضا بنفس المسألة. فجأة، يضعونك أمام اتخاذ قرار سريع -وأنت مسرع غافل- حول الطريق البديل الذي يمكن أن تسلكه إلى وجهتك. وقد تتعرض لحادث في لحظة التفكير والتقرير من دون تهيئة ولا تحضير. وقبل ذلك، كانوا قد حفروا الجهة المقابلة من جسر الجامعة وحفروا المنعطف المفضي من شارع المدينة المنورة إلى شارع نفق الصحافة، ثم أغلقوه وعادوا فحفروه ثانية في غضون أيام (هل نسوا مقصا في بطن الشارع؟!)
إذا كنّا لم نتعلم بعد أبجديات العناية بسلامة مواطنينا وتسهيل حركتهم وذهابهم إلى أعمالهم، بوضع شاخصات تحذيرية مناسبة فقط، فكيف يمكن أن نفكر في استعارة الأفكار الجوهرية والكليّة عن الاقتصاد والمنعطفات السياسية والإصلاح والانتخابات؟ وإذا كانت أهمّ المشاريع التي نشاهدها في مدننا هي تحفير الشوارع وتخريبها مرة تلو المرة بهذه الارتجالية، فكيف نتحدث عن بناء أبراج وعن العلاقة بين العقار والسياحة ودورة الاقتصاد؟ شيء مُحبط. لكنّني سعيد مع ذلك بالعودة إليكم وإلى هذه "الزاوية": أسعد الله الأوقات!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أهلآ بك (wafaa)

    الأحد 15 نيسان / أبريل 2012.
    الحمد للـه على سلآمتك أستاذ علآء