د.أحمد جميل عزم

عن الفينيق–الأبابيل في يوم الأم

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

يروي الباحث في الطبيعة وعالم الحيوان، الإنجليزي موريس بورتون، أنّه في منتصف العام 1956 اندلع حريق قرب بيته، وكان هناك طائر رخ في قفص، وأنّه بدل أن يَهرُب من النار عند فتح القفص، رفرف بجناحيه، وانقض على جمراتٍ مشتعلة، بمنقاره يحاول وضعها تحت جناحيه. ويقول بورتون إنّ المشهد أذهله وأسرته ومن حوله، بل إنّ طيوراً أخرى أخذت تراقب المشهد. ويقول إنّ ما أذهله حقا أنّ الطائر كان بين الحين والآخر يضم جناحيه ويلف رأسه في مشهد متطابق مع الصورة التي نعرفها عن طائر الفينيق وقصصه، أو العنقاء، كما يسمى أحياناً، والذي ربما يكون طائر الرخ كذلك.
لأساطير الفينيق جذور مصرية يونانية يزيد عمرها على 4500 سنة. وقد كتب "بابا روما" العام 1633، كتاباً أكد فيه وجود الطائر تاريخيا، حيث كان الناس يتشككون حينها هل وجد الطائر فعلا أم هو مجرد خيال؟ وقد استخدم "البابا" قصة الطائر كدليلٍ على أنّ هناك يوم قيامة، وأنّ من مات قد يرجع إلى الحياة.
قادني التفكير بالأمر إلى تتبع الفينيق (العنقاء). ومما وجدتُ في معجم  لسان العرب أنّه "طائر لم يره أحد". وذكر في قوله تعالى "طيرا أبابيل"، إذن هذا برهان قرآني عن طير يحمل نارا ولا يحترق، ويقاتل ويحمي البيت والبشر من الغزاة.
لم أجد ما يشير إلى أنّ أسطورة الفينيق فلسطينية، ولكن الفلسطينيين وظفوها في سيرتهم الوطنية المعاصرة كثيراً؛ فلطالما كان ياسر عرفات يؤكد القدرة على النهوض من تحت الرماد مجددا كالعنقاء، دلالة على الاستمرار في المقاومة والنضال، بعد كل هزيمة ونكسة. كما استخدمت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تأست في بيروت العام 1962، الطائر شعاراً لها.
وإذا كان البابا في روما قد ربط، قبل نحو خمسة قرون، الطائر بالقيام من الموت، فإنّ الإرث المرتبط بفلسطين، والذي هو إرث عالمي في الوقت ذاته، زاخرٌ بالمعنى ذاته. ففي القدس ومحيطها، أحيا المسيح عليه السلام بأمر الله صديقه "لعازر" من الموت، بعدما استنجدت به شقيقتاه مريم ومارثا. وقُرب ضريح "لعازر" بنى المسلمون زمن صلاح الدين الأيوبي، مسجداً أسموه "العُزير"، استذكارا لقصة العزير الذي ذكر القرآن الكريم قصة إحيائه وحماره بعد الموت.
وفي الأسطورة، لا يعود طائر الفينيق من الموت فقط، ففيها أنه ليس ذكرا أو أنثى، بل هو كلاهما، فهو قادر على التجدد ذاتيّا.
هناك إذن الفينيق، ولعازر، والعُزير.
كتب محمود درويش عن حبوب سنبلة تجفّ.. ستملأ الوادي سنابل.. وكتب أيضا:
سأَصير يوماً ما أُريد/ سأصير يوماً طائراً/ وأَسُلُّ من عَدَمي وجودي/ كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ اقتربتُ من الحقيقة/ وانبعثتُ من الرمادِ..
وهتف باعثا الحياة فيما بقي بعده: "الوحش يقتل ثائرا.. والأرض تُنبت ألف ثائر.. يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر".
منذ سنوات، لا يمكن أن يمّر يوم الأم من دون أن أفكر بكل هذا، فمسألة البعث من الموت ترتبط بمعجزة الولادة، ألَم تنجب العذراء المسيح عليه السلام دون أب، في تجسيد لمعجزة الخلق؟
هي الأم إذن، والولادة المعجزة، والانبعاث من الموت، وأن نصير ما نريد حتى بعد الموت.. وتزامن معركة الكرامة مع يوم الأم انبعاثٌ، فالنصر الأردني-الفلسطيني يومها كان إيذانا بمرحلة جديدة للانبعاث بعد الهزيمة العام 1967، ولصعود روح وحركة المقاومة. والحجر في زمن الانتفاضة كان حجرا من سجيل على أبرهة العصر. 
ليست الأسطورة خيالا تاماً، فهي إعادة رواية التاريخ والأحداث بطرق فيها كثير من المجاز، وربما المبالغة، والتحوير بحكم الزمن، وضعف ذاكرة الإنسان وأهوائه. ولكن للأسطورة قدرة مؤثرة، كثيرا ما تؤدي إلى تغيير الحقائق، وحفز الناس على مواجهة تحديات وخوض صعاب على نحو أقرب إلى الخيال.
لم أقصد بهذه السطور خطّ كلمات أشبه بالأدب، بل تحليل جزءٍ حقيقي من روح المقاومة، المرتبطة بغريزة البقاء والاستمرار، وعدم الخوف من الموت، طالما أن ذلك يؤدي إلى أن نكون يوماً ما نريد.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العنقاء (رجاء البحيصي)

    الأحد 25 آذار / مارس 2012.
    فلسطيني تعني الكثير
    حق..نظال..شهاده...حريه
    وسوف تبقى فلسطين إسلاميه عربيه
  • »الفلسطينيين وطار والعنقاء (انطون بشارة قطان)

    الجمعة 23 آذار / مارس 2012.
    الفلسطينيين موجودين بالتأريخ ان كان هناك طائر عنقاء او ياسر عرفات او غيره فهم موجودين ككل الشعوب القديمة الحديثة ما دام ان هناك فلسطيني واحد المهم تعرف من هو الفلسطيني.