نضال منصور

بعد الثورة .. مخاض في تونس

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

لأول مرة أزور تونس منذ ثورة الياسمين، كنت متلهفاً لمعرفة تفاصيل ما صنعه التونسيون بعد ثورتهم وإلى أين يمضون في بناء تونس المستقبل؟
حرية التعبير هي أكبر إنجاز واضح وماثل للعيان يلحظه الزائر لتونس منذ اللحظة الأولى، وهو الأمر المفقود الذي كان يلمسه ويعرفه ضيوف تونس قبل الثورة منذ أن تطأ أقدامهم عتبات مطار قرطاج.
لكن تونس لم تهدأ، وزائرها يعرف أن صراعاً داخلياً ينمو، ومن يتتبع الصحف الكثيرة التي تخرج للأسواق ومحطات التلفزة والإذاعات التي انطلقت بعد الثورة يدرك أن هناك حقائق لا يعرفها الخارج ولا يستمع لها.
منذ لحظة وصولي إلى تونس تفجرت ما عرف بقصة "العلم"، حين أقدم أحد أعضاء الجماعة السلفية في كلية الآداب بإحدى الجامعات التونسية على انتزاع علم تونس ووضع بدلا منه علم السلفية، واشتعلت تونس غضباً، وبدأت شبكات التلفزة بمتابعة هذه الظاهرة، واعتبارها اعتداء على النظام الجمهوري، وهو ما دفع رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي لإقامة احتفال لـ "العلم" في قصر قرطاج جرى خلاله تكريم "صبية" تونسية تصدت للسلفي الذي انتزع علم تونس.
وبموازاة ذلك لا يتوقف النقاش أيضاً عن ظاهرة النقاب في تونس التي بدأت تخرج للعلن، والجدل والصراع الذي يدور داخل أروقة المؤسسات التعليمية "الجامعات والمدارس"، هل يسمح للمنقبات بدخول هذه الأماكن وهن يرتدين النقاب أم لا؟
مؤسسات المجتمع المدني التونسية تعلن رفضها القاطع لدخول المنقبات للجامعات أو المدارس أو أماكن العمل، ولا يقبلون المساومة على ذلك، ولا يعتبرون ذلك جزءا من الحريات الشخصية، فالحرية الشخصية منحصرة في الشارع وفي منازلهم وأماكنهم الخاصة.
وفي النقاش الدائر هناك قناعة عند كثير من القوى السياسية التي تختلف مع حزب النهضة أن الظاهرة السلفية في تونس هي امتداد للنهضة وتوزيع للأدوار.
الصراع على مدنية الدولة وعلمانيتها في تونس على أشده، وهناك اتهامات لحزب النهضة بأنه بدأ بالتراجع عن تطميناته ووعوده، وإلا فما هو السر وراء بعض التصريحات لأناس محسوبين عليه يدعون لتعدد الزوجات، والزواج العرفي، واحتضان داعية مصري يروج لختان النساء؟
وتأخذ الاتهامات للنهضة أبعاداً أكثر من ملف الأحوال الشخصية للمرأة، ويرون أن هناك تقاعساً في إنجاز الدستور، وأنه رغم مضي أكثر من 3 أشهر فإن البرلمان أو "المجلس التأسيسي" لم ينجز حتى الآن مقدمة الدستور، وإن هناك توجها لتمديد عمر المجلس التأسيسي أكثر مما كان مقرراً له (أقصى مدة عام ونصف).
الثورة التونسية لم تضع أوزارها، وحملات التشكيك مستمرة، فأمام مبنى التلفزيون ينصب مجموعة من الإعلاميين خيمهم للمطالبة بتطهير التلفزة من الإعلاميين "البنفسجيين"، نسبة إلى إعلامي الرئيس المخلوع بن علي الذي كان يحب اللون البنفسجي.
وبين الصحفيين تسمع حديثاً بأن من يعتصمون هم السلفيون وجماعات النهضة، وهم يريدون إقصاء كل الإعلاميين تحت حجج واهية للسيطرة على الإعلام مرة أخرى.
اللقاء مع قيادات حزب النهضة يأخذك في اتجاه آخر، فلغتهم ما تزال توافقية وتصالحية، ويؤكدون أن كل ما يثار في الإعلام هو حملات موجهة ضدهم.
في الملف "السلفي" يعتبرون أن هؤلاء خصومهم، وينفون جملة وتفصيلا الاتهامات بأنهم ذراع للنهضة، ويلخصون الأزمة بقولهم ببساطة "السلفيون من أبناء تونس، وإن كان لديك ابن عاق هل تطرده أم تحاول إصلاحه"؟!
قادة النهضة يقرون أن هناك مشكلات، ويقرون بأن اليساريين والقوميين سيطروا لعقود على قطاع التربية والتعليم، حتى إبان عهد بورقيبة وبن علي، وليس من السهل تجريدهم من معاقل تاريخية لهم، ولا يعترفون بأنهم يحاصرون الاتحاد العام للشغل سعياً لإخضاعه.
ما يؤكدون عليه أنهم لم يتراجعوا عن تطميناتهم، وأن مناقشات الدستور داخل المجلس التأسيسي تكشف مواقفهم بدون لبس، وأنهم مايزالون يؤمنون بضرورة التوصل لتسويات في كل الملفات مع أطراف اللعبة في تونس.
باختصار في تونس ثورة طردت طاغية، ولكن قلق الناس وخوفهم على مستقبلهم ومستقبل وطنهم لم ينته.

التعليق