نادر رنتيسي

أكان عليكَ أن تحترق يا "بوعزيزي"؟!

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

"العالمُ ليس لنا" الآن، كما لم يكن لنا من قبل..؛ إنه اليومَ ليس أكثر من محطة غير آمنة للانتظار. ناس كثيرون يتظاهرون في أمتار محدودة من الهواء الذي لا يكفي لرفع شعارين إلى مستوى الحياة؛ تلك التي قد تخسرها برصاصة خاطئة كانت تقصدُ كتفكَ الطموح بالارتفاع، فأصابت قلبكَ الطامح بالنبض!
هكذا يحصل الموت، منذ عام وحريق "البوعزيزي"، بتلقائية شديدة في موسم طويل لـ"حساسية الربيع". موتٌ يحدث بـ "نيران شقيقة"، كأنه "جريمة شرف" تكلل القاتلَ بالغار، بما يتيح له تصويرَ "الضحية" وبيع "الفيديو" في سوق "فيسبوك" بمائة وخمسين "لايك"، وعشرات التعليقات التي كُتِبَتْ من قبل في موتٍ حدَثَ بـ"نيران مزدوجة"!
واليوم جمعة..؛ سيموتُ الشهداء تحت عنوان جديد، بعدد وافرٍ يُلائم تجهم المذيع. قد تكون هناك "مشاهد وحشية" يقول التقرير المُصوَّر إنَّ عرضها ضروري لإقناع المشاهدين أنَّ القاتلَ كان يحرص على موت بطيء للضحية، بدافع عقابه على التجرؤ بطلب الحرية في الشارع العام.. وبعد يومين ستكشف أن الليل كان ملائما لتصوير "المجزرة"، وأن الضحايا التزموا الموت رغم أنهم كانوا يعشقون الحياة أكثر!
ولن تعودَ الحياة إلى شيء من طبيعتها..؛ فالشهداء سيفقدون وظائفهم، وقد تقعُ زوجاتهم في غرام رجال انتصروا في الحرب لمجرَّدِ خروجهم أحياء منها. ستنامُ الناس في المقابر..؛ بدليل أحلامهم المزعجة، فبعد مجزرة "كرم الزيتون" ستسألُ البنت المحافظة أبيها في الحلم سؤالاً محرجاً: كم بلغت عدد مشاهدات جثتي على "يوتيوب"!
هكذا يحصل الموت، منذ عام وحريق "البوعزيزي"، بطرق مبتكرة، وأسباب لا تنتمي أبداً لتلك التي كان تسبِّبُ "الموت الواحد"؛ فـ 75 أهلاوياً يموتون لمجرَّدِ أن الكُرَةَ استقرَّت على نحو صحيحٍ في مرمى "المصري"، بموازاة يافطة "مندسة" كتَبَ عليها رجل أُميٌّ: "بلد البالة ما فيهاش رجالة"..؛ ورجلٌ أمي آخر سيوجه التلفاز إلى قناة تفاعليَّة، ويسألُ المذيعة الوقورة: هل تجوز قراءة الفاتحة لمرة واحدة على ثمانين شهيدا؟!
وهذا الموتُ له ساعاتُ بث لا تتميَّز بالدقة أبداً..؛ فمواعيدُ القصف العشوائيِّ بالضرورة ستكون عشوائية، ولن تتتظر "رأس الساعة" على قناة "العربية"، أو انتهاء "فيلم وثائقي" عن حرب قديمة على قناة "الجزيرة". "قمر النيل سات" كله يتنافسُ اليوم لشراء حقوق بثِّ الموت في مشاهده الأولى، ولونه الكثيف بالأحمر القاتم..؛ وحدها الحياة على قناة "دنيا" لها لون "بمبي"!
أكان عليكَ أنْ تحترقَ يا "بوعزيزي"..؛ كانت الناس صِفْرا مسالما، على يسار الرقم أو على يمينه، تُكتبُ فيها قصائد الهجاء، وعند كلِّ مجزرة إسرائيلية يصدحُ "قمر النيل سات" كله بصوت المغنية اللبنانية متسائلة: "وين الملايين"، فيما هم، وفقَ بريد القراء الصاخب، يمعنون في النوم بانتظار الوفاة الطبيعية!
كانت الناس نائمة في وقوف ليس بكتف طموح بالارتفاع، لكنها بأيِّ حال كانت تمشي في أمتار محدودة من الهواء الذي يكفي لرفع شعار واحد يدعو بالحياة الدائمة والأبدية لـ "السيد الرئيس"، ويتطلبُ الموقفُ كثيرا من الحماسة والتصفيق الذي يُدمي الكف..؛ كانت الناس تتظاهر بالحياة، والآن تموتُ فقط!
اليومَ أنا عربي ما عاد دمعي يكفي بالعدل كلَّ الموتى على "قمر النيل سات"، باختلاف التوقيت البسيط، والألم عائلة تزورني كلَّ مساء بكامل أفرادها ولهجاتها في المواساة..؛ كلُّ أفراد هذا القمر يدركونَ مهماتهم في مثل هذا الوقت من التاريخ..؛ فالموتُ منذُ غادر المقابر، وسكن الأحياء الشعبية، وهو صناعة العرب..؛ هم طباخو السم وآكلوه، هم فقط من ابتكروا تحلية الموت ورشه بالسكر الناعم، وحللوه حين يأخذ شكل "المجزرة"، فقالوا: "الموت مع الجماعة رحمة"!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »برافو (مصطفى سيد مصرى عايش وخلاص)

    الخميس 2 كانون الثاني / يناير 2014.
    برافو احسنت قولا وشعور
  • »من سوريا .. شكرا لنشامى الأردن (najat)

    السبت 17 آذار / مارس 2012.
    قالها شوقي من قبل : وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق ..دققنا باب الحرية فقطعت كل الأيادي وأزهقت كل الأرواح وأهينت كل الكرامات ليصبح لون الحرية أشد احمرارا من أي وقت مضى
  • »ميت حي فينا (مها شفيق)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    كان عليه أن يحرق نفسه بمداد من الفخر ليثأر من القمع والبطالة بوقود الكرامه والذي شحن بدَورِهِ قلوب الآخرين بالعزة ليثأروا من عروش هزت كيان أمم بالطغيان والجبروت ...نعم لقد خالف شرع الله بإزهاق روحه ولكننا على يقين بأن الله غفور رحيم... فالمقاطع التي شاهدنا غيره فيها مُحترقاً مثله عبر مقاطع اليوتيوب و البلاك بيري والوتس أب جعلت من البوعزيزي ذاك الميت الحي الذي يصول ويجول في العالم كنبراس للحرية...
  • »اه قلبي (مها ابو عودة)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    ليست كل الكلمات الجميلة صادقة ..كما ليست كل الكلمات الصادقة جميلة .. قلمك من رصاص نادر .. وجميل رغم ذلك لانه حقيفة ليست جميلة ..هيا اوجع قلوبنا اكثر برصاصك لعله يشفي مرارة القلب وحزنه ببصيص امل من رصاص لا يتلاشى الابرصاص مثل عنفه .
  • »من الذي يحترق (afaf saddik)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    ترى من الذي احترق الوعي ام الفهم هل يجب ان يبقى العربي امي وجاهل حتى يبقى حيا فكلما زاد الوعي زاد الموت
  • »رحم الله الشهداء جميعا (رام ابو الحسن)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    رحمهم الله جميعا شهداء اليوم والامس ...كانوا يستحقون الحياة أكثر ...ولكن هي المشيئة التي يُعلقُ عليها آذانُ الصممِ وأفواهُ الصمت .. لذلك إستُبيحت دمائهم في ظُلمة من الأقدار وهم لا يعلمون ...
  • »موت البوعزيزي احيا ملايين العرب (اردني بفكر حاله بفهم بالديموقراطيه)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    نترحم عليه وندعوا الله ان يتغمده بواسع رحمته امين .

    الشعوب العربيه كافه كانت بحاله موت سريري, والان وبعد ان صحت من غيبوبتها , لتكتشف بان هناك من لا يريد لها بان تصحوا من غيبوبتها.
    وما يجري من ثورات هو مقاومه الشعوب ومحاربتها لكل من يريد لها ان تعود لغيبوبتها.
    لذا لا بد للشعوب حتى تصحوا وتصحوا للابد ان يسيل بعض من دمائها .
  • »أصبت... (آمنة أبو صفط)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    أصبت يا نادر ...أصبت القلب!!
  • »حياة العرب (فاتن نصر الدين)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    هذا هو قدر العربي لمجرد انه ينتمى للجزيرة ولا يمتلك ادنى حرية للتعبير او طلب العيش بحياة كريمة .. شاهدت في مقالتك فيلم دموي وضحايا واشلاء سيخلدون في التاريخ لأنهم سيوثقوا ان العالم لنا
  • »ادمنا الموت (منى بسباس السلامي)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    صارت صور الموت تمر نصب اعيننا كما تمر الاعلانات لم نعد نخشع لمشهد الموت كما قبل تقول ان مواعيد الموت لا تتميزبالدقة صحيح لكننا اصبحنا ننتظرها كل يوم بشوق غريب يشبه الادمان فلو لم يحترق البوعزيزي لما كنا عشقنا الموت اللذيذ هذا ......الشاعرة منى بسباس السلامي
  • »اه يا عرب (ايمان البحر)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    اصبحت كلمة العرب تستخدم عندما تريد ان تشير الى اي تصرف مهين او عدم التزام او تخاذل او ارهاب...
    ونستخدمها نحن العرب اكثر مما يستخدمها الغرب وياللأسف...
    واسوأ مافي الامر ان العرب مسيسسسسسسون بالعلام الغربي وقابعون تحت قبعته.
    مقالك استاذ نادر يضع الاصبع على الجرح ويديمه ..ومالنا حيلة الا الفرجة وكأاننا بمسرح كركوز
  • »للمرةالثانية (محمد التميمي)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    استاذ نادر خذ قلبي وبعض الدماء التي لم تتلوث بورق البيانات واكتب على جدران مدارس درعا "احذر ايها الرئيس امامك مصنع احرار" ثم ادفني في اي ركن من بلاد الشام فكلها مباركة.
  • »ضرورة الموت الحتمية (najo)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    وكأن العام ينشق ليبتلع من الناس فقط من يريد حريته خلقنا احرارا نصرخ متى نشاء قبل ان تبدأ كلة هس اسكت عملهاومع ذلك نجد من يخنقنا ويسهّل الموت ويجعله بطعم السكر لما احترقت بو عزيزي وهل انت مثلنا الاعلى بالاحتراق؟!آآآه على زمن الأحرار لقد كتب عليكم الموت لتتحرروا
  • »خيال واسع جدا (لينا قاروت)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    من المؤكد إنه لاذع.. خيالك لا بد يكون نشيط حتى بالأحلام.. لأن الجملة: "كم بلغت عدد مشاهدات جثتي على اليوتيوب" لم تأت من العدم..
  • »كلمات في الصميم (رنا خضور)

    الجمعة 16 آذار / مارس 2012.
    وأيّ كلام يفي ... تحت هذا المقال الصمت يجلس ولا يقف دقيقة واحدة حزناً ...يبيت بين الكلمات الموجعة ...