العنف الجامعي.. والمعالجات السطحية

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 14 آذار / مارس 2012. 01:24 مـساءً
  • › مقالات سابقة

حتى لو قامت الجامعات بتركيب "كاميرا مراقبة" عند مدخل كل قاعة محاضرة، وعند كل مدرج، وفي كل مكتبة ومطعم، فإن هذا لن يحل مشكلة العنف في الجامعات.
ولكن الإعلان عن هذا التوجه أو هذا التفكير يدل فقط على عمق الهوة التي ما تزال تفصلنا عن الاقتراب من حل المشكلة. كما يشير أيضا إلى أن مسؤولي الجامعات يحصرون تفكيرهم بمعالجة ظاهر المشكلة، دون النفاذ إلى جذورها ومعالجة أسبابها ودوافعها.
إن اللجوء إلى نصب الكاميرات وتوسيع هامش الرقابة، يوحي وكأن مصدر المشكلة هم فقط بعض" المندسين" أو محترفي الشغب ممن يأتون من خارج الجامعة، ويحرضون غيرهم من الطلبة على اللجوء إلى العنف، وهذا أبعد ما يكون عن الصحة؛ فلو لم تكن البيئة الجامعية مهيئة لاندلاع العنف، فإن ألف "محرض" أو "مندس" لن يكون بإمكانهم إشعال نيران الفتنة في الجامعات.
إن اللجوء إلى هذا الحل يشبه في إفلاسه الحديث الذي يطفو إلى السطح أحيانا بضرورة تعزيز التواجد الأمني في الجامعات أو خارجها، أو الضرب "بيد من حديد" على كل من يفكر في اللجوء إلى العنف في الجامعات، باعتبار ذلك هو الحل الأوحد لعنف الجامعات، بينما يدعو آخرون من أصحاب هذه المدرسة في التفكير إلى وجوب نشر الحرس الجامعي بكثافة داخل الجامعات، وتفويضه صلاحيات أكبر للتدخل الفوري لعلاج أحداث العنف.
ويقول آخرون من أصحاب هذه النظرية إن أفراد الحرس الجامعي أنفسهم هم أصل المشكلة، فهم ينحازون إلى فريق دون آخر، فتراهم يسمحون لأفراد من الطرف الذي يؤيدونه بدخول الحرم الجامعي، بينما يمنعون الطرف الآخر من الدخول. أما أدوات الشغب فمسموح دخولها للطرف الذي يناصره الحرس، محظورة على الجهات الأخرى.
إنني لا أقلل من أهمية هذه المعالجات، ولا أنتقص من حرص طارحي هذه الأفكار على معالجة ظاهرة العنف الجامعي التي بدأت تقض مضاجع كثيرين في مجتمعنا. ولكني أقول فقط إن هذه المعالجات لا تنفذ إلى جوهر المشكلة، ولا تعالج الدوافع والأسباب الحقيقية لاندلاع العنف في الجامعات.
أما المقلق في هذه الطروحات فهي أنها تعطي انطباعا مزيفاً أن الموضوع قد عولج، وأن المشكلة انتهت وخمدت نارها، مع أن نيران الغضب ما تزال مشتعلة تحت الرماد.
لقد آن الأوان للتوقف عن هذه المعالجات الجزئية أو "القشرية" لظاهرة العنف في الجامعات، فهي مجرد إضاعة للوقت وتبديد للجهد ولا طائل من ورائها إطلاقا. والحل لن يأتي إلا من معالجة الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى انتشار العنف، ومن التصدي للخلل الذى اعترى البيئة الجامعية فجعلها تتعايش مع العنف وتفرزه وتقره.
وأخشى ما أخشاه أن يكون المسؤولون الجامعيون على دراية بالنهج الصحيح لمعالجة الظاهرة من جذورها، ولكنهم يبتعدون عنه لأنه صعب، ويحتاج إلى قرارات جريئة. ولذلك فهم يضيعون الوقت بهذه المعالجات السطحية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

التعليق