الطراونة: سلوك الدولة مع الحراك الشعبي فيه من الحكمة والذكاء الشيء الكثير

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً

رئيس الوزراء الأسبق يؤكد في حوار مع "الغد" أن أيادي خفية جاءت لتعبث بعفوية الثورات العربية بعد اندلاعها

 

عمان - يرى رئيس الوزراء الأسبق العين فايز الطراونة أن أيادي خفية جاءت لتعبث بعفوية الثورات العربية بعد اندلاعها، معتبرا أنها انطلقت بصورة عفوية، كاسرة حدود الخوف، رفضا للظلم والاستبداد وتجاهل مصالح المواطن العربي.
ويضيف الطراونة، في حوار مع أسرة "الغد"، أن الربيع العربي أبعد من حادثة حرق البوعزيزي لنفسه في تونس، فهذا الحدث كان النقطة التي فاض بها الكأس، مشيراً إلى أن حادث الحرق كان قائما على جمر وتراكمات تاريخية.
ويعبر عن قلقه على دول الربيع العربي الخمس، حيث وجد من بينها دولة واحدة فقط، هي تونس، استقرت نسبيا، ولكن يوجد شواهد ايضا تدل على ان ثمة ما يزال جمر تحت الرماد.
وعن الأوضاع في سورية والتنبؤات بسقوط النظام هناك، يرفض الطراونة تحديد وقت لسقوط النظام، عازيا أسباب ذلك إلى نسبة وحجم الانشقاق في الجيش السوري التي لا تتناسب مع حجم المشكلة.
لكنه يضيف أن النظام السوري "لن يسقط" طالما ان الموقف الأميركي والروسي والصيني، ومجلس الأمن الدولي بالتحديد، بل وحتى الجانب العربي، باق في الصورة الحالية.
وفيما تساءل "ماذا تريد إسرائيل من الأزمة السورية؟"، يعتبر أن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل النظام السوري ومدة صلاحيته.
إلا أن الطراونة ينظر إلى النظام السوري اليوم بأنه "فاقد" لشرعيته الداخلية والخارجية، فقراراته "غير مقبولة" اليوم من عدد كبير من العامة وهذا يفقده الشرعية الداخلية، أما عن الشرعية الخارجية فقد فقدها النظام عبر التمثيل الدبلوماسي، فكل دول الخليج العربي سحبت سفراءها، فضلاً عن المغرب وتونس وليبيا وأغلب الدول الأوروبية وأميركا وكندا واستراليا سحبت سفراءها من دمشق، في حين تبحث مصر هذا الموضوع.
ويعتبر الطراونة أن قرار الفيتو على سورية في مجلس الأمن الدولي يحمي النظام مؤقتاً، إلا أنه بنتيجة التصويت، فقد فقد النظام شرعيته، فـ137 دولة مقابل 12 في الجمعية العمومية، صوتت لصالح الثورة السورية، ما يعطي الانطباع بأن النظام السوري اليوم "صار منزوع الشرعية".
محلياً، يؤكد الطراونة أن ملف الإصلاحات السياسية والاقتصادية بدأ في العام 1989، بعد استئناف الحياة الديمقراطية منذ أن توقفت العام 1966، معتبراً أن عودة الحياة النيابية كانت جزءا مهما وأساسيا من الإصلاح، فضلاً عن عودة قانون الأحزاب، الذي كان قد "تعطل" منذ العام 1957.
ويضيف أننا في الأردن لن نبدأ من حيث ما بدأت مصر وتونس أو دول الربيع العربي، لأن لدينا البنية التحية من الإصلاحات.
ويبين الطراونة أن مسيرة الإصلاحات السياسية في البلاد، راوحت مكانها، بسبب الأحداث في الإقليم التي أثرت وبشكل مباشر على هذا الوضع، وبسبب "ضعف" في الحكومات.
ويرفض الغمز من قناة الإنفاق العسكري لدى حديثه عن الإصلاح الاقتصادي، معتبراً أن الجميع في الأردن يتغنى بالأمن والأمان، الذي نعيشه، وبصرف النظر عن الحراكات الشعبية والشبابية.
ويستشهد على ذلك بما قالته المنسقة العليا للشؤون الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي كاترين آشتون، بأن "الأردن استطاع أن يفرض التغيير بدون فوضى"، مشدداً على أن الأمن بالنسبة للأردن والأردنيين له أولوية على الخبز في كثير من الأحيان.
ورداً على سؤال عن هيبة الدولة واستخدام اسلوب الأمن الناعم أو الخشن في التعامل مع الحراكات الشعبية، يعتبر الطراونة أن سلوك الدولة "لو كان أمنيا لازداد خشونة في فترة الحراك".
ويضيف أن سلوك الدولة مع الحراك الشعبي جاء منسجما إلى حد كبير مع موقف الدولة في تعاملاتها في مثل هذه الأحداث، وهذا فيه من الحكمة والذكاء السياسي الشيء الكثير، متسائلا هل هيبة الدولة تفرض بالعصا؟! فهيبة الدولة تأتي بتطبيق القانون.
وحول قانون الانتخاب المناسب للحالة الأردنية، يقول الطراونة إن قانون الانتخاب يجب أن يخرج بشكل توافقي ويكون ضامناً للتفاهم السياسي بين أطراف المعادلة الأردنية، لأن قانون الانتخاب يدخل ويؤثر بشكل مباشر في كل بيت أردني.
ويوضح أن الدوائر الوهمية "لا يقبل بها أحد، والصوت الواحد لا أعرف إذا كان هناك إجماع على رفضه لكن لا يُرى مدافع عنه".
لكنه يؤكد أنه ليس من الصعب خلق التوافق على قانون انتخاب معين ونظام انتخابي ما، على الرغم من أن لجنة الحوار الوطني لم تستطع الوصول لهذا التوافق.
وحول قانون انتخاب العام 1989، يعبر الطراونة عن خوفه منه، لأن الطرفَ القويَّ في قائمةٍ ما يأكل كامل القائمة، وبالتالي هناك مرشحون يدخلون بعروى آخرين، وهذا على حساب الضعف والقوة.
إلا أن الطراونة يتمنى الخوض في فكرة أن يقسم عدد النواب على عدد الدوائر الانتخابية في المملكة، لكن على ان ينتخب المواطن 3 مرشحين، حتى يكون هناك تساو بين المواطنين.
وحول فكرة قائمة الوطن أو القائمة الوطنية، يعتبر الطراونة أن الانتخاب يعني تمثيل دائرة انتخابية، فأنت تمثل مجموعة من الناس.
وفيما يتعلق بطروحات قوننة فك الارتباط، يؤكد الطراونة أن المطالب تصب في اتجاه أن تكون المسألة من صلاحيات مجلس الوزراء وسحب تلك الصلاحيات من وزارة الداخلية، وهو المعمول به حاليا، فقد سحبت الصلاحيات من وزارة الداخلية وتحولت إلى رئاسة الوزراء.


وفيما يلي نص المقابلة:

• في البداية وبعد أن حصلت هذه التغييرات الجذرية في صورة الإقليم، أنظمة تغيرت ودول تحررت من الدكتاتورية، وربيع إصلاحات عربي، رياحه تهب على دول كسرت الخوف وانطلقت نحو تأسيس ديمقراطية جديدة في المنطقة، كيف تطالع صورة الإقليم؟
-في البداية أعتقد أن الثورات العربية انطلقت بصورة عفوية، كاسرة حدود الخوف، وانطلقت رفضا للظلم والاستبداد، وتجاهل مصالح المواطن العربي. لكن ما أقرأه في الخريطة السياسية للمنطقة العربية اليوم، هو أن أيدي خفية جاءت لتعبث بعفوية الثورات العربية بعد اندلاعها، وهذه قناعتي. اذاً، هي بدأت في حالة انفعال، وانا شخصيا، وبطبيعة تركيبتي، لا انفعل لشيء، لأن المنفعل خاسر لقضيته فورا، لأنه لا يدرك في حالة الانفعال ما الذي يفعله، بدون حسابات وأهداف واضحة، نحن وضعنا أشياء حقيقية في المطلق، ديمقراطية، لم يكن هناك ديمقراطية، حتى نريد المزيد منها في كثير من الدول، لكن هذه عائمة في الهواء كالربيع، لم يكن واضحا ماذا يحدث وكيف وما هي البدائل.  وفيما يتعلق بالربيع العربي اعتقد ان القصة أبعد من حادثة حرق البوعزيزي لنفسه في تونس، فهذا الحدث كان القشة التي قصمت ظهر البعير، او النقطة التي فاض بها الكاس لكن الربيع لم يكن ليحدث لو لم يكن حادث الحرق قائما على جمر، وعلى تراكمات تاريخية. كل شي يقاس بالطريقة النسبية. اليوم وللأسف فمن بين دول الربيع العربي الخمس ارى ان واحدة فقط، هي تونس، استقرت نسبيا، ولكن يوجد شواهد ايضا تدل على ان هناك ما هو تحت الغطاء، ثمة ما يزال رمادا او جمرا. حتى مصر اعتقد أنها ما تزال في حالة فوضى. اما ليبيا فقد انفجرت قضية برقة، التي تطالب بالاستقلال، فيما مطار ليبيا محتل من قبل بعض الثوار، ويطالبون بخلو بقيمته
10 ملايين دولار. فيما الوضع في سورية، فهو كما نراه كلنا اليوم على شاشات التلفاز، واليمن اصبحت فيه لعبة ظريفة، وافق عليها الكل، جاء عبرها برلمان، ليتخذ قرارا، لكن الوضع على الارض هو فوضى.  ما الذي يمكن ان نصف به الربيع العربي اليوم؟ نتحدث اليوم عن اكثر من عام مضى، بأحداث متسارعة، وحصلت فيها تطورات، تثير الشجون. لنسأل انفسنا، ونحن نتحدث عن الربيع وما جلبه من تغييرات، هل يعقل ان الاردن يستطيع ان يجمع الفرقاء الفلسطينيين والاسرائيليين، في وقت تعجز فيه الولايات المتحدة عن ذلك، وايضا الرباعية الدولية؟! والأهم ان مصر، بحجمها ودورها التاريخي تغيب عن مثل هذا الاجتماع ايضا، وهل يعقل ان وزير الخارجية المصري لا يأتي للأردن، ليسأل، ولو من باب الفضول، عما جرى في الاجتماع؟ بل هل تصدق ان الكثيرين لم يعودوا يعرفون باسم وزير خارجبة مصر، ما بعد الربيع، لأنه غير متداول؟ هل هو طبيعي ان دولة كمصر تدخل الى الظل بهذا الشكل؟! 13 مرة يتم فيها تفجير خط الغاز الواصل الى الاردن واسرائيل في سيناء. تفاءلنا بعد الثورة المصرية، بأن تلجأ مصر الى رفع الحصار عن غزة، لكننا اليوم لا نرى رفعا للحصار.
• يمكن ان يكون الوضع بعد الثورات ليس بمستوى ما طمحت اليه الشعوب، فثمة حالة من الفوضى في مصر وليبيا واليمن وسورية، لكن الا تعتقد ان دولا عديدة في العالم مرت بمثل هذه الظروف، قبل ان تصبح دولا ديمقراطية تؤمن بالحرية والكرامة؟
- ثمة دلائل قد تعطينا مؤشرات، هل نسير في الاتجاه الصحيح او الخاطئ، هل لدينا قناعة بأن ما يحدث الآن يسير في الاتجاه الصحيح الذي يؤدي، بالنتيجة، الى ما تطمح له الشعوب، كثير من الثورات ولدت قيادات دكتاتورية، فالثورة الفرنسية اوجدت نابليون، والثورة البلشفية اوجدت اكبر ديكتاتور في القرن العشرين، هو الحزب الشيوعي ولينين وستالين.
الثورات انطلقت من واقع ان الشعوب اصبحت غير قادرة على تحمل القمع والديكتاتورية. لكن أليس ثمة ايد خفية، هي التي سببت الغموض في اتجاهات هذه الثورات.. ربما تحرفها، ولنأخذ التدخلات في الأزمة السورية، وايضا في اليمن. وقد يكون الامر هو ان الثورات لم تعرف الاتجاه الصحيح، وكذلك الأنظمة وجدت التدخلات الاجنبية فرصتها للتدخل، ما سبب هذا الغموض؟!
اعتقد ان كل ما ذكر صحيح، لأننا بدأنا بغموض، ولم نعرف الاتجاهات والأهداف، باستثناء هدف إسقاط النظام في تلك البلدان، والتي استباحت كل شيء، فأريد التخلص منها، فهذا هو أول هدف، لكن النظر لهذا الهدف يجب ان يكون محاطا بكل البدائل التي نتحدث عنها، فربما تكون بدأت عبر حالة انفعال، وعدم سيطرة، وهذا ما زاد الغموض، لأن المعالجة الدولية لقضية ليبيا تختلف عن سورية.
انا اعتقد ان الثورات العربية بدأت بحالة انفعال، بدون اتجاه، الا ان اناسا وجهات ركبتها، وارادوا سوقها الى الاتجاه الذي يريدونه، فأصبح هناك تشابكات وتداخلات، بين عدة اتجاهات، يريد كل اتجاه ان يأخذ الشعوب اليه. ما يحزنني، انا كأردني، هو الموضوع الفلسطيني.
• في الموضوع السوري، اين ترى ان الامور ذاهبة هناك؟ التحليلات الاميركية والاوروبية وتقارير غير معلنة تقدر ان أشهر حزيران وتموز وآب المقبلة قد تكون موعد سقوط النظام هناك؟
- اعتقد ان هذه أضغاث احلام، لكنها قد تحصل أو لا تحصل. نسبة وحجم الانشقاق في الجيش السوري لا تتناسب مع حجم المشكلة، يوجد هناك انشقاق، وجيش حر، وثمة مواجهة وسلاح، بعد ان بقيت الثورة السورية سلمية لوقت كبير، ولكن الآن دخل فيها عنصر اخر. بتقديري الشخصي ان النظام السوري لن يسقطن طالما ان الموقف الاميركي والروسي والصيني، ومجلس الأمن بالتحديد، بل وحتى الجانب العربي، باق في الصورة الحالية.
قد تتغير الصورة اذا ما تزايدت حدة الانشقاقات في الجيش السوري. ثمة نظام وجيش وشعب في سورية، كلها اطراف رئيسية لتحديد الصورة، انا لا اعتقد ان هناك نسبة كبيرة من الشعب السوري تؤيد النظام السوري، فرجال الاعمال السوريين، المتواجدين في الخارج، لا يؤيدون النظام، لأن رجل الاعمال يسعى عادة لتوفير البيئة الآمنة، لذلك اعتقد ان لديهم عداء كبيرا للنظام، وان ثمة معارضة شعبية واسعة للنظام.
لكنني كمتابع لما يجري في الإقليم، أطرح السؤال التالي: إسرائيل ماذا تريد تجاه الأزمة السورية؟ فأنا لم اسمع من اسرائيل شيئا بهذا الخصوص، هل تريد اسرائيل النظام أم لا؟ أنا لا املك إجابة على هذا السؤال، لكن كسياسي يجب ان اضعة كسؤال واطرحه وابحث فيه.
فهل اسرائيل تساهم في التأثير على اميركا للتدخل في الأزمة السورية؟ وكيف والى متى واين؟ كلها أسئلة تصعب الإجابة عليها. لكن استطيع القول إن ما هو واجب اليوم هو ان يتسارع إنهاء الموضوع، فأنا اعتقد شخصيا ان النظام دخل الى مدخل يصعب الخروج منه، لأن الجرح كبير، بعد 10 آلاف قتيل.
صحيح أن هناك من يتحدث عن ذلك (حجم ضحايا النظام) من باب المبالغات، في الأعداد، لكنني اعتقد أن أي شرعية حكم تحتاج لمنحيين، شرعية داخلية وخارجية. فالشرعية الداخلية هي مدى تقبل الناس للقرارات، التي يصدرها النظام، وقرارات النظام غير مقبولة اليوم من عدد كبير من العامة، وهذا يفقد الشرعية الداخلية.
أما عن الشرعية الخارجية،  فقد فقدها النظام عبر التمثيل الدبلوماسي، فكل دول الخليج سحبت سفراءها، والمغرب وتونس وليبيا ايضا. ومصر تبحث هذا الموضوع، بالإضافة الى اغلب الدول الاوروبية واميركا وكندا واستراليا.
لذلك فالنظام السوري يفقد شرعيته الدولية ايضا، حتى مع قرار الفيتو على سورية في مجلس الامن، فإنه وإن كان يحمي النظام مؤقتا، إلا أنه بنتيجة التصويت، فقد النظام شرعيته، فـ 137 دولة مقابل 12 في الجمعية العمومية، صوتت لصالح الثورة السورية، رغم ذلك فإن التصويت يعطي الانطباع بأن النظام السوري اليوم صار منزوع الشرعية.
لكن المحزن والمؤسف بحق هو ما يتعرض له الشعب السوري، فهذا حرام.
• مايزال موقف الأردن غامضا حيال التعامل مع الملف السوري، فنحن لم نسحب سفيرنا، لكننا نؤيد قرارات الجامعة العربية، هل تؤيد هذا الموقف، ام المطلوب موقف يتناغم مع موقف دول الخليج العربي؟
- أنا لا استطيع التحدث باسم الدولة الاردنية الآن، ولكن كسياسي، استذكر أن اول سؤال سألني إياه جلالة الملك الحسين، رحمه الله، عندما طلب مني تشكيل الحكومة، كيف ستتعامل مع الملفات العربية؟ وكان يهمه العمل السياسي والإقليمي؛ لأنه يؤثر على الاردن.
اجبته يومها، انني من انصار عدم كسر العظم مع أحد، ولكن لا ارتمي امام أحد، انا اقدر أين مصلحتي، وأين مصلحتي في المنطقة جيو سياسيا. اتساءل دوما، لماذا يحظى الاردن بموقع مهم على الخريطة الاقليمية والدولية؟ وأجيب، في الوقت نفسه، ان جلالة الملك وفي حركته الدؤوبة مستمر وقادر على الاقناع، بأن العلاقات الاقليمية مع الدولة الاردنية إحدى مصادر القوة للمملكة. وعلى الرغم من الحجم الجغرافي والديمغرافي للبلد، وشح الموارد، فإن للأردن وضعا مهما وعلاقات جدية. وتجد أننا وقعنا اتفاقية سلام مع اسرائيل في وقت تمتاز علاقتنا بايران بالتواصل وعدم الانقطاع.
لذلك لو قطع الاردن علاقته مع سورية فلن يفيد الشعب السوري في المرحلة الراهنة، وبالتالي، اريد ان ادرس النتيجة المتوقعة، وهل قطع العلاقات سيؤدي الى نتيجة ام لا.
الاجماع العربي في جامعة الدول العربية، موقف مبدئي سياسي، وهناك دول خليجية اخذت موقفا، ولكن هذه المواقف لا تلزم الأردن.
الموقف الأردني نابع من مصالح أردنية، ومن مواقف قومية، لم يتخل عنها الأردن يوما، ولذلك اجتمعت دول اصدقاء سورية، فحضرنا لنبحث بالحالة الانسانية. والاردن هو الدولة الوحيدة التي فتحت مدارسها للاجئين السوريين، وهذا واجب عروبي لم نتخل عنه يوما.
إلى جانب كل ذلك، هناك مصالح تجارية تربطنا بسورية، فنحن نستورد منها، ونصدر لها وتمر عبرها تجارتنا.
• ثمة من يرى ان اسرائيل، تسعى للمحافظة على الوضع القائم بسورية، وعدم الذهاب بعيدا في إزالة نظام الاسد، وانها في الوقت ذاته، تسعى إلى الضغط بأقصى درجة لضرب ايران، حليفة سورية، هل تتفق مع ذلك اولا، وكيف يمكن قراءة هذا التناقض الظاهر؟
- انا اسمي اسرائيل بالدولة غير المنضبطة اقليميا. اسرائيل وصلت الى مرحلة باتت فيها خارجة عن القانون الدولي، لان الفيتو الاميركي، بنظري، وصمة عار في جبين العالم، الذي يتكلم بالديمقراطية ويمارس الديكتاتورية الدولية، لأن كل العالم يتحدث عن ظلم إسرائيل، لكن تجد في مجلس الأمن دولا، كل مزاياها انها انتصرت في الحرب العالمية الثانية سنة 1945 ولها حق الفيتو.
لذلك اسرائيل غير خاضعة للحكم من قبل مجلس الامن، لأنها حميت بـ 60 قرار فيتو لصالح اسرائيل وغطرستها وقتلها وتدميرها اضافة لاحتلالها.
بالعودة إلى ازدواجية اسرائيل وتحشيدها لضرب ايران، فإسرائيل ليس لديها القدرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وهذا أمر لا قدرة لأحد عليه سوى حلف الناتو.
على مدى الأيام، يتبين ان اسرائيل لا تملك القدرة على ضرب المنشآت النووية، ولكنها تملك القدرة على توريط اميركا بضرب ايران، وأي ضرب لأي منشأة ايرانية، فإن ايران سترد، ويتوقع ان تضرب أي منشأة اميركية في البحر. وهو ما تهدد به إيران في أكثر من مناسبة.
أما عن رغبتهم (اسرائيل) في الحفاظ على النظام السوري، بحسب بعض التحليلات، فإسرائيل ترى أن هناك هدوءا على الجبهة السورية، ولهذا السبب، يتم السؤال: لماذا لا تحافظ على حكم الاسد.
أنا شاهدت بأم عيني في تسعينيات القرن الماضي قدرة السوريين على المراوغة والتكتيك السياسيين، مع الولايات المتحدة الاميركية، خلال عملية السلام، وثبت لي بالوجه القاطع ان سياسة حافظ الاسد سياسة الحافة. فحافظ الاسد كان يستعمل ايران ورقة بيده، وايران، في وقتها، كانت منهكة من الحرب العراقية الايرانية، ولكن بعد وفاة حافظ الاسد أصبحت سورية ورقة بيد ايران.
إن إضعاف ايران بطريقة او بأخرى، وإخضاعها لإرداة دولية، سيضعف النظام في سورية، وبالتالي فإن قصة الممانعة، لن تعطي وزنا لسورية، فنحن اوجدناها ونحن صدقناها.
إسرائيل كانت تنظر الى قوة العراق، وبعد أن انتهت من تدمير العراق، بقوات أميركية، فعينها اليوم على الحرب ضد إيران، وذلك لتصفية القوة الايرانية.
• هذه الأجواء المشحونة والمتوترة في الإقليم، تدفعنا إلى النظر إلى الساحة المحلية، والبحث عما يهدئ الشارع ويعظم فكرة الإصلاحات الشاملة، فكل هذه الاجواء المضطربة يجب أن تدفعنا لعمل شيء، يمتن جبهتنا الداخلية، خصوصا في ضوء الاحتقان في الشارع؟
- يجب أن انظر إلى أين تتجه مصلحة البلد؛ حتى لو كان ذلك بعيدا عن قناعاتي. الرئيس الأميركي جيرالد فورد، وبعد ان استقال نيكسون،  قدم رابين وكان وقتها سفيرا في واشنطن وجاء لجيرالد فورد وطلب مقابلته، وفي اللقاء عرض رابين عليه ملفا، فيه كل تصريحات فورد وهو سيناتور، فقد كان فورد يقول أنه سينقل السفارة من تل ابيب الى القدس، فاخبره فورد ان هذه التصريحات كانت قبل ان يكون في البيت الابيض رئيسا، وأنه الآن يعارض نقل السفارة للقدس.
السياسي الذي ينظر من زاوية واحدة يكون مصيره مثل حسني مبارك. الآن سأتحدث، وانا بعيد عن الدوار الرابع (الحكومة) والقرار. وثمة معلومات ومعطيات تحتاجها لتستطيع تكوين صورة متكاملة.
لكن، يمكن القول أننا في الاردن لا نبدأ من حيث ما بدأت مصر وتونس، لأننا لم نبدأ من فراغ. اول نقطة، وهي ليست الحاسمة، هي التواصل ما بين الرأس والقاعدة، وهو امر متوفر في حالتنا الاردنية، بخلاف الوضع الذي كان سائدا في تونس ومصر واليمن وليبيا.
فطبيعة نظامنا مختلفة، فثمة تواصل دائم مع الشعب وقضاياه وهمومه. التواصل مستمر من زمن الملك الحسين، رحمه الله، وفي عهد الملك عبدالله الثاني ايضا. رأس الدولة يزور مختلف مناطق البلد، بهدف التواصل والاشتباك مع هموم الناس.
في موضوع الإصلاح السياسي والاقتصادي، فهو فعلا بدأ في العام 1989، لا يمكن فصل ما يحدث بالداخل عما يحدث في المحيط. الأردن دولة لم تعرف الهدوء، فمنذ العام 1966 كانت اخر انتخابات نيابية، فعودة الحياة الديمقراطية في العام 89 أليست اصلاحا سياسيا، او جزءا اساسيا من الإصلاح ثم عاد قانون الاحزاب، الذي كان تعطل منذ العام 1957، هذه هي النتيجة، التي توصلنا لها، ثم جاء برنامج الاصلاح الاقتصادي الهيكلي مع صندوق النقد الدولي، والذي تمسكت الحكومات به، فتحسنت الاوضاع، لكن عندما انتهينا من هذا الموضوع في العام 1990، جاءتنا أزمة احتلال الكويت، وتوابعها، والحصار الذي فرض علينا، لأن الاردن اخذ موقفا مبدئيا يرفض احتلال العراق للكويت، ويرفض في الوقت ذاته الدخول بتحالفات عسكرية ضد العراق.
وفي العام 1991 جاءت للأردن نافذة لفك حصار كان مفروضا بعد حرب الخليج الاولى من قبل اميركا و6 دول خليجية، اضافة الى مصر وسورية، حوصرنا مع حصار العراق بقرارات مجلس الامن، لكن جلالة المغفور له الحسين بن طلال تمكن من الإفلات بالاردن من الحصار القاسي عبر الدخول في مؤتمر مدريد للسلام، ومحادثات السلام ووادي عربة.
لكن وبعد أحداث احتلال العراق (2003)، وأحداث 11 سبتمبر (2001) راوحت بعض الاصلاحات مكانها. قد يكون جزء من السبب ضعف الحكومات، ولكن الأحداث الدولية المخيفة أيضا أثرت وبشكل مباشر على هذا الوضع.
السؤال هو: هل الحراك الشعبي اليوم، له مساس بالوضع الاقتصادي؟ وهل أسباب الحراك الشعبي اقتصادية، أم أن الأولوية هي الإصلاح السياسي، والمناداة بحرية التعبير وعدم تزوير الانتخابات، هل هذه هي الاهداف المطلوبة شعبيا؟ أنا أقول إن جميع ما ذكر صحيح.
هذا ما أكده جلالة الملك عندما التقانا كرؤساء حكومات سابقة مؤخرا. لقد قال جلالته "انا مطمئن للجانب السياسي والاجتماعي، لكني قلق على الوضع الاقتصادي".
القلق مرده لأن الربيع والثورات أثرت على الصادرات والنقل والسياحة، والوضع الاقليمي اوصلنا الى هذه المرحلة. والأهم في المرحلة التي نعيش هو رفض الناس الطرح الاقتصادي، الذي يفرض على الموازنة رفع اسعار سلع، ورفع الدعم عن السلع، حتى على الشريحة الاعلى دخلا، وممنوع المس بالضريبة ايضا.
في ظل الممنوعتين المذكورتين لدي ممنوعة ثالثة، فالمواطن يرفض الرفع والضريبة، ويقول لنا: "روح اشحد" واحضر لي موارد من الخارج، على شكل مساعدات"، ويقول أيضا "حصلوا الاموال المسروقة، وهي التي تسد عجز الموازنة، البالغ مليار ونصف مليار، فالغاز والكهرباء يساوون هذا العجز".
• كيف يمكن أن نواجه اللوبيات التاريخية التي تمنعنا من وضع نظام ضريبي عادل؟ اضافة الى أن معالجة الهدر، قد تكون جزءا من الحل، فوزير المالية يشير الى وجود هدر بـ 20 % ، لو تم معالجة 5 % ، فستساعد هذه النسبة على عدم التوجه إلى جيب المواطن؟
- موضوع الإصلاح الاقتصادي المهم الذي فشلنا فيه، هو فكرة الدعم للمستحقين. لا شك أن الدعم هو الذي يحدث تشوهات في الاقتصاد، ويخلق سوقا سوداء، وتهريب سلع للخارج، لأنها ستصبح بأسعار منخفضة عما حولنا، لكن الاردن لا يستطيع ان يوقف هذا الدعم.
أما الإصلاح الضريبي فهذا أمر صحيح، ولكن هذا هو قانون ضريبة الدخل مؤقت، وسيدخل عليه تعديل، وفق ما صرح به رئيس الوزراء مؤخرا، وسنرى أي برلمان سيخرج قانون ضريبة دخل مناسبا.
• من وجهة نظرك كاقتصادي، كيف يمكن طرح فكرة الإصلاح الضريبي؟
- أنا لدي كاقتصادي ما ينقض ما يتم طرحه عن الاصلاح الضريبي، فالاردن دولة استهلاكية؛ والاستهلاك الحكومي لا يقل عن الاستهلاك الخاص، ولدينا الاستهلاك في الأردن أكثر من 100 % من الناتج المحلي هذا يعني أن الادخار صفر او سالب، والذي يعوض ذلك هو الناتج القومي الإجمالي؛ فالحوالات التي تأتينا من الخارج تشكل لدينا الإدخار، وهنا فإن أية عملية استثمارية تحتاج إلى ادخار، وبهذا الشكل ستكون الاستثمارات المحلية كلها استثمارات أجنبية. عندما أفرض الضريبة التصاعدية نكون قد استهدفنا القادرين على الادخار، وهم اصحاب الاستثمار والأغنياء، أما المواطن الآخر فهو يكفي نفسه بنفسه، وليس عنده ادخار.
اعتقد أن الإصلاح الضريبي من منظور إصلاح اقتصادي، هو، وقبل أن تكون إيرادات للموازنة، هو أفضل طريقة لتوزيع الدخل بعدالة.
وهنا يجب أن نتوقف عند حالة استهلاكنا، وحالة ادخارنا، ولا يمكن لدولة أن تنمو وتزدهر اقتصاديا، عندما يكون استهلاكها أكبر من ناتجها المحلي. يجب الحفاظ على المساعدات والمنح والحوالات، لقد كان شبحا مرعبا عودة الأردنيين العاملين في الخليج بعد حرب الخليج الثانية في العام 1990، وذلك بسبب انقطاع حوالات المغتربين.
وهنا اجد الحل، وهو الذي طرحه رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد شرف رحمه الله، ويتعلق بترشيد الاستهلاك، صحيح أنه في وقتها فتح استخدام المصطلح الباب واسعا للتندر، لكنني أجد أنه حل سليم، ويعالج التشوهات الاقتصادية على المدى الطويل، وترشيد الاستهلاك هو من اساسيات الاصلاح الاقتصادي.
• وأنت تتحدث عن الحل الاقتصادي عبر ترشيد الاستهلاك، هناك من يقول أن الإنفاق العسكري يخالف هذا الأساس الاصلاحي للاقتصاد، الا نحتاج لترشيد الاستهلاك والإنفاق العسكري؟
- انا لا أؤيد ذلك على الإطلاق. من يقول بذلك، ويستطيع نقل المملكة إلى وضع مثل السويد والنرويج، عندها سأكون موافقا معه على هذا الطرح، وحينها أطالب بتخفيض الإنفاق العسكري. أما في الأردن، بقي لدي أغنية وحيدة أسمعها من الجميع، وهي التي تتغنى بالأمن والأمان، الذي نعيشه، وبصرف النظر عن كل الحراك، الذي تشهده مدن وقرى في المملكة.
وهنا أريد أن استخدم كلمة كانت من أجمل ما سمعته عن المملكة، وجاءت على لسان المنسقة العليا للشؤون الخارجية والأمنية للاتحاد الأروبي كاترين آشتون، عندما قالت "الأردن استطاع أن يفرض التغيير من دون فوضى".
والأمن بالنسبة للأردن والأردنيين له أولويه على الخبز في كثير من الأحيان.

 

الطراونة يقترح منح 3 أصوات لكل مرشح وتقسيم الدوائر الانتخابية على عدد النواب

 

وسأضرب لكم مثالا بسيطا؛ حتى لا يقول لي أحد أن الأمن هدية الطبيعة لنا، أذكر أنه، ولدى انعقاد مؤتمر قمة عمان العام 1987، وكنت في وقتها مقررا لمؤتمر القمة، وكنا نبحث الترتيبات الأمنية للقمة من حيث سلامة الوفود والمواقع، وإذ أن هناك ست حلقات أمنية، تبدأ من الفندق الذي يسكن فيه القادة، وتنتهي بالمطارات الدولية التي سيأتي منها القادة.
ولك أن تتخيل كلف ذلك، ولك ان تتخيل على سبيل المثال أن هناك طلعات جوية للطائرات العسكرية، لمسح المنطقة جويا، وعندها تستطيع أن تقدر أن مجرد هبوط وإقلاع الطائرة كم سيزيد تكاليف ذلك، هذا حدث لم تتجاوز مدته اليومين، وقد كلف بحدود تجاوزت 3 ملايين دينار، من أجل الإنفاق على الحالة الأمنية والاستخباراتية.
والأهم من كل ذلك، من هو الذي يوظف الأيدي العاملة في البلاد ويواجه البطالة، وهي أم المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. جلالة الملك لا تخلو زيارة من زياراته لمكان في المملكة إلا ويأمر بتجنيد المئات والآلاف من ابناء القرى والأرياف والبوادي الأردنية. الحكومة لا تستطيع تأمين وظائف سوى  3- 6 آلاف وظيفة، وهذه الطاقة القصوى لاستيعاب الجهاز الحكومي للأيدي العاملة سنويا، وهي وظائف غالبيتها في قطاعات الصحة والتعليم، أما القطاع الخاص فهو خارج الحسبة، وحتى أنه يضرب لتشغيل الوافدين، فالعمالة الوافدة أقل كلفة على صاحب العمل، وأقل حقوقا. إذاً فالقوات المسلحة مع الأجهزة الأمنية هي الجهة الموظفة الأكبر للأيدي العاملة.
 السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو سؤال هيبة الدولة، فهناك من يقول إن الامن الناعم في التعامل مع الحراك الشعبي، أفرز حالة من الاستقواء، في حين هناك من يقول إن لتراجع هيبة الدولة أسباب أخرى، أنت ماذا تقول؟
- هنا أريد أن أقول، وأرجو أن لا تقول لي عن حالة أو حالتين، فأنا أريد أن أشرح المنهجية على مر السنوات والعقود الماضية، منذ عهد الاستقلال ولغاية اليوم.
فلو أردت الحديث بشكل عام وليس في قضايا محددة، ولها أسبابها، فهل الأمن في الأردن شكله وطريقته في التعامل ناعم أم خشن؟ لو كان خشنا لازداد خشونة في فترة الحراك، وأنا اعتقد أن هذا، وبشكل عام، منسجم إلى حد كبير مع موقف الدولة في تعاملاتها في مثل هذه الأحداث، وهذا فيه من الحكمة والذكاء السياسي الشيء الكثير.
فقد كنت في المملكة العربية السعودية قبل أيام، وقيل لي صراحة، انه يكفيكم فخرا أنه لم يقتل واحد في شوارع الأردن. واعتقد أنه كان طبيعيا ردة فعل أحد المعارضين لسؤالي عن أخبار الحراك؟ بالقول "إنتو خليتو فيها حراك نازلين توزعوا علينا مياه وعصير". نحن نعرف جيدا أنه بالدم تتطور الاحتجاجات ويصبح الحراك عبئا على الدولة والاجهزة وحتى على المدنيين أنفسهم.
 اعتقد أنه من دخل من الأمن والدرك إلى المستشفيات كمصابين وجرحى أكثر بكثير من الناشطين في الحراكات الشعبية. وردا على السؤال: هل هذا أثر على هيبة الدولة؟ سأجيبك بسؤال: هل هيبة الدولة تفرض بالعصا؟! هيبة الدولة تأتي بتطبيق القانون، ستسألني هل هناك تقصير؟ سأقول لك إنه ظرف استثنائي، والتعامل معه مبرر. أود أن أشير إلى أنني بعيد عن السلطة، واتحدث باسترخاء، قد يكون لدي رأي آخر لو كنت في السلطة.
بالنتيجة فإن الناس أدركت أن الاعتقالات لم تعد موجودة، فبدأ المواطن برفع صوته، وعندما أقول الناس، فأنا يهمني حجم الناس، وليس صوتهم المرتفع، فهل أعداد هؤلاء تشكل متوالية هندسية؟ لو أردنا أن نأخذ الأعداد التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي، لرأيناها بدأت بأرقام متواضعة، وارتفعت إلى ملايين في وقت قياسي، أما الحراك الأردني فقد بدأت أرقامه بالتراجع، وهذا ليس من فراغ، وهناك ما يبرر هذه الظاهرة، فالوعي موجود بأن ما تم تحقيقه لليوم من الأجندة الإصلاحية هو معقول، وسيساهم في تقدم مسيرة الإصلاحات الشاملة للبلاد.
طبعا هنا أعود للتعليق على تطبيق القانون، أنا لا أقر ولا أومن بأن المخطئ أو من يتجاوز القانون يجب جره وسحله بالشوارع؛ لكن يجب أن اثبت أنه مخطئ، وأنه على باطل، ويجب تحويله إلى القضاء، وهناك الكل يأخذ حقه بالقانون.
فالأمن الناعم ليس تمثيلا ولا مسرحية، وأنا أعرف أن جلالة الملك كان حريصا جدا على هذا الموضوع، وله في ذلك منطقه ومنهجيته، فنحن لسنا دولة بوليسية ومفقودين.
خلال متابعتي للربيع العربي فوجئت بحجم المعارضة الليبية في الخارج، وايضا المعارضة  التونسية، ذهلت من وجود هذا الحجم من المعارضة السورية في الخارج ايضا، والتي توزعت على عواصم عالمية، لكن أروني أين هي المعارضة الأردنية في الخارج. إذاً هذا هو الأمن الناعم، فعلاقة المواطن بالنظام علاقة تقوم على أبعاد من الاحترام والاعتراف بشرعية كل منهما.
أما إذا سألتني عن ضعف هيبة الدولة، فسأقول ان هناك سببان، الأول لعدم تطبيق القانون على الجميع، وهذا يعني دولة القانون، أما السبب الآخر فهو النظرة الأبوية للحكومة، وأنها هي التي يجب أن ترعى كل شيء، ونحن نريد كل شيء من الحكومة، الإبن لا يفهم على والده، إن طلب منه شيئا، ولم يأت إليه به، ونحن لا نفهم الحكومة إن طلبنا منها، وقالت لا أملك المال.
فالنظرة الأبوية للحكومة، وأنه مطلوب منها كل شيء، تسبب عندما قصرت، ان الناس بدأوا برفع الصوت عليها، ومطالبتها بإلحاح أن تقوم بدورها الأبوي. أذكر أن جدول التشكيلات في الدولة، عندما بدأ في الستينيات من القرن الماضي، كان المطلوب فيه من الشهادات أكثر من المعروض في سوق الخريجين الجامعيين، اليوم يصدر جدول التشكيلات بـ 5 آلاف وظيفة لطالب جامعي، والخريجون من الجامعات تجاوزوا 90 الف طالب.
فمن لا يجد وظيفة حكومية يعتبر أن الحكومة مقصرة، لذلك هذا الحجم من النقد للحكومة اعتبرناه جزءا من هيبة الدولة، لكن هذا بالطبع لا علاقة له بهيبة الدولة، هذا تعبير عن موقف من الحكومة، لكنه يحتاج إلى تغيير ثقافي واجتماعي.
لكن أنا أنظر إلى هيبة الدولة أنها ذات علاقة ومساس فقط بالقانون وتطبيقه على الجميع.
• أنت قلت عن تراجع أعداد المحتجين في الحراك الشعبي، لكن ذلك جاء لصالح ارتفاع وتيرة الشعارات، برأيك، وفي جزئية تراجع الأعداد، هل ذلك نتيجة لحجم الإصلاحات السياسية التي تمت حتى اللحظة؟
- طبعا، فالشعب الأردني واع، قد يكون هناك مشكلة بين الشارع والحكومات، لكن لا مشاكل لديه مع النظام، ولكن أيضا ستجد هناك من يعارض. ولكن ليس معقولا أن يجري 42 تعديلا دستوريا، من 131 مادة دستورية، ولا يؤثر ذلك على الشارع.
لكن هناك من يريد تعديل المادة 35 من الدستور، وكل أعضاء اللجنة الملكية لمراجعة نصوص الدستور، وعلى مدار جلستين، وجدوا أن المادة لا تتعارض مع النظام الأردني باعتباره نيابيا ملكيا، لأن مجلس النواب هو من يمنح الثقة للحكومة أو يحجبها.
المهم أن الأردنيين لمسوا جيدا أن هناك جدية وإرادة سياسية في تحقيق الإصلاحات.
وأنا سألت جلالة الملك بشكل مباشر: هل نحن بصدد العودة إلى دستور العام 1952، فأجاب جلالته: "لا يا أخي"، لأن الرسالة التي ستحدد أعمال اللجنة لا تتحدث عن العودة لدستور العام 1952، بل تتحدث عن مراجعة كافة نصوص الدستور.
ولو عدنا لدستور العام 1952 ، فهل فيه محكمة دستورية، وهيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وهل فيه استقالة الحكومة التي تحل البرلمان؟ قطعا لا يوجد. نحن طورنا الدستور بصيغة تلبي تطلعات الواقع والمستقبل الأردني، بالإضافة لتتناغم مع جزء كبير من مطالب الشارع. إذاً تراجع اعداد المعتصمين والمحتجين جاء نتيجة اقتناعهم بجدية الإصلاحات، والتي جاءت الإصلاحات الدستورية على رأسها.
طبعا هنا انا لا أغفل حقيقة أن المتابع للثورات العربية، وجد أن الثورات بعفوية انطلاقها وسلامة نيتها جاءت بفوضى لتلك الدول، ما تزال لم تخرج منها، وهنا قد يكون المواطن الأردني تنبه لأهمية إحداث التغيير وتحقيق الإصلاحات عبر سلمية المطالب، وحرية التعبير الآمن، وهو ما يمكن أن اسميه ترشيدا للحراك الشعبي والشبابي الأردني.
• نصل هنا إلى جدلية النظام الانتخابي، ما رأيك في ذلك، وأي الأنظمة تناسب الحالة الأردنية، وتضمن معايير العدالة في التمثيل، حسب رايك؟
- على الرغم من أن النظام الانتخابي هو نظام، وإصداره من صلاحيات مجلس الوزراء، لكن يجب أن لا يأتي من رحم الحكومة كخلاصة فكرية أو وصفة علاجية من مختص. الأمر يجب أن يكون له مقدمات حوارية وخلاصات تم التوصل لها عبر لقاءات حكومية مع الأطياف والمكونات الموجودة في المجتمع الأردني.
فحتى لو كان الأمر من صلاحيات الحكومة، فإن التنسيق والتشاور والتفاهم سيجعل النظام الانتخابي مقبولا، وإن كان لن يعجب جميع الشعب الأردني.
رأيي كمتابع ومراقب، أن قانون الانتخاب يجب أن يخرج بشكل توافقي ويكون ضامنا للتفاهم السياسي بين اطراف المعادلة الأردنية، لأن قانون الانتخاب يدخل ويؤثر بشكل مباشر في كل بيت أردني.
الدوائر الوهمية لا يقبل بها أحد، والصوت الواحد لا أعرف إذا كان هناك إجماع على رفضه، لكني أعرف أن الحزبيين يرفضونه، لكن الحالة العامة تكشف أن لا مدافع عن قانون الصوت الواحد.
اعتقد أنه ليس صعبا أن اخلق التوافق على قانون الانتخاب والنظام الانتخابي، مع علمي أن لجنة الحوار الوطني لم تستطع الوصول لهذا التوافق. على الحكومة أن تبعث بمراسليها للدوائر الانتخابية في المحافظات، وأن تعكف على التقريب بين وجهات النظر، ويجب أن آخذ برأي الأطراف والمراكز، والسياسيين والاقتصاديين، والحزبيين والمستقلين، يجب أن اصنع نظاما انتخابيا يكون قريبا بدرجة مقبولة من آراء جميع هؤلاء.
وما دامت الأمور تسير على هذا المنوال، رفض قانون الدوائر الوهمية، وعدم وجود دفاع عن الصوت الواحد، فيجب أن نذهب باتجاه آخر.
قانون العام  1989، أنا شخصيا أخاف منه، لأن الطرف القوي في قائمة يأكل كامل القائمة، وبالتالي هناك مرشحون يدخلون بعروة آخرين، وهذا على حساب الضعف والقوة.
وهنا قد تكون القائمة النسبية أقرب إلى التعامل مع هذه الحالات، وبتقديري أن المهم لدى مناقشة أي نظام انتخابي هو مراعاة، أن الأردنيين متساوون في الحقوق والواجبات، وهذا حق كفله الدستور.
 وأمام هذا الحق قد يكون عدلا أن يكون للناخب في الكرك الحق بالتصويت لتسعة مرشحين عن 10 مقاعد، وفي الدائرة الثالثة في عمان أن ينتخب 5 مقاعد، وهنا قد يكون الرأي بأن نعتمد عدد مقاعد أقل محافظة في حصة المقاع، لكل محافظة، وهي هنا العقبة، ومقاعدها ثلاثة، كمعيار عادل لعدد أصوات الناخبيين، ويوصل للعدالة في التمثيل، وهذا طبعا يضطرنا لإعادة النظر بالدوائر الانتخابية، وهنا اتمنى أن يقسم عدد النواب على عدد الدوائر الانتخابية في المملكة، لكن على ان ينتخب المواطن 3 مرشحين، حتى يكون هناك تساو بين المواطنين.
برأيي أن الانتخاب يعني تمثيل دائرة انتخابية، فأنت تمثل مجموعة من الناس. لذلك أنا لا أميل إلى فكرة نائب الوطن، لأني لا أفهم ماذا يعني نائب وطن، لأن الانتخاب يعني الدائرة الانتخابية، وهناك تشابك يصعب فصله بين دور النائب السياسي والرقابي والتشريعي والاستجابة لتظلمات أبناء دائرته الانتخابية. أنظر إلى بريطانيا وأميركا، لا يوجد هناك شيء اسمه نائب وطن. قد يكون نائب المحافظة طرح مقبول أكثر من فكرة نائب الوطن، لأن حدود المحافظة يتناغم مع تمثيلها.
فالنائب يمثل دائرته كموقف ومطالب، والنائب أيضا يمثل الوطن في قضايا مفصلية.
• في موضوع فك الارتباط، والجدل الدائر حول دسترة فك الارتباط، وقوننة تعليماتها، وتعديل قانون الجنسية، كيف يمكن حسم هذا الجدل، برايكم؟
- التعليمات واضحة، بتعريف من هو الأردني ومن هو الفلسطيني، رغم أننا ما نزال في المنطقة الرمادية، وذلك لعدم الحسم النهائي في عملية السلام. لكن وبعد قبولنا لأوراق اعتماد السفير الفلسطيني العام 1988 فقد اعترفنا بالدولة الفلسطينية.
تعليمات فك الارتباط، وهي أقل من النظام، وجدت للفصل في مسألة الكرت الأصفر والأخضر، وليس في موضوع الجنسية، فالجنسية للأردنيين من أصل فلسطيني لم تمس قبل العام 1988. القصة في الكرت الأصفر ومن أخذ الكرت الأصفر، وهو طلب من منظمة التحرير الفلسطينية، التي طالبت بذلك بهدف عدم تفريغ الأرض من سكانها، وحامل الكرت الأصفر عليه أن يحافظ عليه ساري المفعول، لكي لا يفقد حقوقه كفلسطيني.
وبحدود علمي اليوم، فإن مجلس الوزراء اوقف كل اللغط الدائر في هذا الأمر، بعد أن أوقف صلاحيات الموظف في الحكم على مصير تحويل الكرت الأصفر إلى اخضر وبالعكس، وهذا سبب إرباكا كبيرا، لأنك في عشية وضحاها تكتشف أنك مواطن، أو غير مواطن، طبعا الجدل الذي كان على سحب الجنسية لم يقابله كشف رسمي أو غير رسمي عن الذين ردت إليهم جنسيتهم، لذلك اعتقد أن الحكومة قطعت هذا الأمر من خلال تجميد صلاحيات الموظف في التعامل مع مثل هذه المسألة الحساسة.
الآن ما المقصود بقوننة التعليمات، القانون سيقول بأن السحب والمنح من صلاحيات مجلس الوزراء، وهذا الواقع اليوم، فقد سحبت الصلاحيات من وزارة الداخلية وتحولت إلى رئاسة الوزراء.
هنا أود أن اتوقف عند مسألة السحب للأرقام الوطنية، التي أثارت جدلا واسعا، لكن مسألة المنح لم يأت أحد على ذكرها، وهذا خطأ، فالخطر الاجتماعي المترتب على فقدان جنسية مواطن، هو ذات الخطر السياسي الذي يترتب على منح الجنسية، لأن ذلك سيخل في التركيبة الديمغرافية، ولذلك محاذير أيضا، وعلى عدة صعد.
لكن اليوم أقول للمطالبين بقوننة تعليمات فك الارتباط، أليس الأمر تم ربطه بمجلس الوزراء، وصار المجلس هو صاحب الصلاحيات بمنح أو سحب الجنسية؟ اعتقد أن الأمر صار منضبطا، حتى لو لم يكن منصوصا عليه بقانون أو دستور.
لكن المشكلة ستظل قائمة ما دام هناك مساحات رمادية، في موضوع مستقبل السلام وقيام الدولة الفلسطينية، وقيام الدولة الفلسطينية هو أمر استراتيجي وغاية في الأهمية للأردن واستقرار المنطقة.
• لكن اليوم ما تزال مشكلة تجنيس أبناء الأردنيات قضية معلقة، وهو أمر لم تحسمه التعديلات الدستورية الأخيرة، ولم يأت على ذكره أحد، وسط جدل يقول أن تجنيس ابناء الأردنيات فيه شبهة توطين، ورأي آخر يقول بأن التجنيس لأبناء الاردنيات حق؟
- لا استطيع النظر لهذا الأمر إلا من زاوية سياسية، وليست قانونية، فبعد إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة، دعيت لمحاضرة نسائية في نادي الملك الحسين، وكان الجزء الأكبر من المحاضرة حول هذا الموضوع، لكن بعد فشل كل المحاولات الدبلوماسية في الإقناع سأقول لكم أن المسألة متعلقة وبشكل أساسي بالديمغرافيا.
وهنا ستكون المسألة سياسية بامتياز، فالأرقام الموجودة مختلفة عما تتخيلونه في هذه القضية، فأعداد كبيرة من الأردنيات متزوجات من غير الأردنيين، وبحسبة بسيطة، نجد أن نحو 400 الف جواز سفر ورقم وطني اردني سيتجنسون غدا صباحا. وهنا أيضا أود تذكيركم بأعداد الأردنيين الذين عادوا من الكويت بعد حرب الخليج الثانية، كانوا 350 ألف أردني عائد، هؤلاء بأرقامهم غيروا الدنيا بأكملها عند عودتهم، وما شكلوه من ضغط على البنى التحتية، وآثار ذلك على الاقتصاد، هذه واحدة من الآثار المترتبة على مثل هكذا قرار.
لكن بالعودة إلى المسألة الأهم، المسألة السياسية الديمغرافية، فهي قضية حساسة وذات ابعاد خطيرة على المجتمع الأردني، والقضية الفلسطينية والتي تعد أولوية أردنية ومصلحة عليا.
ما يخفف من وطأة القضية، وهنا أقول بمنتهى الصراحة، أننا نحترم كدولة أبناء الأردنيات الحاملين لجنسيات أخرى، حيث يتمتعون بكافة الحقوق المدنية، أما الحق السياسي فهذا فقط للمواطن الأردني وليس لسواه، وحتى على صعيد الحق السياسي، لا أجد شيئا يحرم منه أي مواطن غير أردني سوى حق الانتخاب.
• مع الثورات العربية سطع نجم الحركات الإسلامية، وبدأت تحتل مكانا متقدما في صنع القرار في دول الربيع العربي، هنا، ثمة من يتخوف من هيمنة الاسلاميين أيضا، هل ترى هناك ما يخيفنا منهم؟
- نحن ومن فترة طويلة وحتى العام 1994 كان هناك تناغم بين الدولة والحركة الإسلامية، لكن وبعد عملية السلام صار هناك حالة من القطيعة بين الحكومات والحركة، وخصوصا بعد اختلال معادلات الداخل الفلسطيني، عندما ذهبت فتح للسلام، وبقيت حماس مقاومة فلسطينية، وانعكاسات ذلك حتى على مزاج الاخوان المسلمين في الأردن، لكن ومع كل هذه الأجواء، من الشد السياسي بين الحركة والحكومات، لم تصل بأي وقت من الأوقات لحد العنف.
ولم تجبر الدولة الاخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب جبهة العمل الاسلامي على مقاطعة الانتخابات، واعتقد أن قرار مقاطعتهم للانتخابات لا علاقة له، لا بقانون الصوت الواحد ولا بضغط الدولة بهذا الاتجاه، فالمسألة مسألة داخل الحركة الإسلامية، فالمقاطعة شأن داخلي حزبي لا علاقة للدولة به.
ثم أن الحركة الإسلامية الموجودة اليوم بالشارع وترفع شعاراتها بصوت عال، أنا برأيي أن تلك الشعارات غير مدعومة ببرامج.
المهم أن مطالب الإسلاميين مشروعة، لكنني لا استطيع النظر إليهم بوصفهم الوحيدين على الساحة السياسية.
ففي موضوع قانون الانتخاب مثلا، لا يستطيع صاحب القرار أن يفصل القانون على قياس رغبة طرف واحد من أطراف العملية السياسة، أو من اجل مجموعة تدعي أنها تمثل المزاج العام.
انا لا اعتقد ان الاخوان المسلمين في مصر والسلفيين يشكلون 75 % من المجتمع المصري، لكن المزاج العام هناك وكفره بكل العهد السابق ورجاله وأفكاره أدى للإتيان بنقيضه.
لكني اعتقد انه في العام المقبل، سيكون هناك نتائج وخيارات مختلفة، وهنا تأتي أهمية التعددية والديمقراطية التي تقدم للمواطن الخيارات بعد التجربة ومن خلال صناديق الاقتراع.
أردنيا أعتقد أن الدعوة لحكومات حزبية ما تزال خطوة بعيدة، ففي الحسبان بنية الأحزاب الضعيفة، وعدم وضوح برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن هذا لا يعني أن لا نبدأ، وليكن التدرج هو السبيل لتجذير الحياة السياسية والشروع بتمكين الأحزاب من المشاركة الفاعلة.
وقد تكون الدعوة الملكية للحكومات الحزبية فهمت خطأ، فجلالته تحدث عن مستقبل، وتحدث أيضا عن التيارات الحزبية الثلاثة منذ أكثر من 10 سنوات . هل الأردن سيعيش تجربة دول اخرى في سيطرة الاسلاميين؟ كيف سيسيطرون؟ الاخوان المسلمين يمثلون 10-15 % من الحراك السياسي في المجتمع، لكنهم في الانتخابات قد يشكلون ما نسبته، وفق التقديرات 30 % إذا لم يكن له منافسين من تيارات أخرى. لكن ما أخشاه أن يفصل القانون على قياس الصوت العالي، وذلك من اجل إسكاته.
والسبيل الوحيد للخروج من أزمة النظام الانتخابي هو التوافق حتى نصل إلى نظام  انتخابي، لا يعطي  حكرا لأي طرف من الأطراف.
• في العلاقة الأردنية الفلسطينية، وهما المكونان الرئيسيان في البلاد، ثمة من يثير بعض الهواجس في هذه العلاقة، وهي هواجس تتزايد هذه الأيام؟ بل ثمة من يحذر من انزلاق الى مساحات عنف وبلبلة على صعيد هذه العلاقة؟ 
- انا ارفض هذا الكلام تماما، أنا حسابي دائما على الحالة العامة، وليس على حساب حالة خاصة. فلا يوجد اردنيون وفلسطينيون في الأردن وإنما أردنيون من أصول مختلفة.
لو كان هناك خلل في النسيج الاردني لكان الدم للركب، لا سمح الله. حتى في موضوع حرب ايلول العام 1970، فقد كانت الاوضاع مختلفة، فقد كانت بين الدولة وقوى منظمة التحرير، بعد ان سعت الأخيرة الى اقامة سلطة ودولة داخل الدولة.
 وحرب السبعين، التي استغرقت 15 يوما، لم تحدث شرخا بين الاردني من اصول اردنية والأردني من اصول فلسطينية، وهم لم يتقاتلوا، بل وتقاسموا لقمة الخبز مع بعضهم.
اذا كانت هناك أصوات الآن تتحدث عن الحقوق المنقوصة للأردنيين من أصل فلسطيني، فهي أصوات عالية، لكنها ليست حالة عامة، واصواتهم ليست خطيرة، حتى اسعى لإسكاتها؛ لأنه كلام غير صحيح. لكن متى أخاف من مثل هذه الدعوات؟ إذا كان وراء كل صاحب موقف أو أجندة عصابات مسلحة أو ميلشيا، عندها سيدب الرعب في قلوبنا، وهو امر ليس موجودا والحمد لله.
ما أريد قوله أنه منذ عقود لم يحدث شيئا ما بين الاردنيين والفلسطينيين، فالمخيم اصبح جزءا من المدن، فالبقعة مثلا اصبحت مثل ام البساتين، ويجب أن نعرف دائما أن المقياس في العلاقة بين النسيج الأردني هي علاقة مرتبطة بمعادلات الأمن المجتمعي، كما أنها علاقات بين هذا النسيج قامت دائما على بعد تاريخي، يربط مكونات الشعبين بعلاقات انسانية متميزة ونسب ومصاهرة.
هذا النسيج المجتمعي يعرف أن يتعامل مع مكوناته بنظرة تكاملية، فالجميع على هذه الأرض أردنيون، وإذا أردت أن تتعرف على النسيج المجتمعي أكثر فانظر إلى المكون المسيحي في المجتمع، فالغرب ينظر لنا بنظرة متميزة على هذا الصعيد، هم يعتقدون أن هذا معدل مرتفع من التعايش، لكننا ننظر إليه على أنه مكون أساسي من مكونات نسيجنا المجتمعي، لذلك يحظى المسيحي بمكانة متميزة في الأردن، فهو مواطن ومنتم، وله على صعيد الدولة، وعلى صعيد العلاقات الانسانية، كل الاحترام والمعاملة المفضلة، أما على صعيد الحقوق فإذا كانت التقديرات تشير إلى أن المسيحيين في الأردن يمثلون ما نسبته 3.5 % فإن حصتهم من مقاعد البرلمان 8 %.
كل هذه الصور الانسانية تجعل الأردن بلدا كبيرا في أعين المجتمع الدولي، في وقت نحن كأردنيين لا ننظر إلى ذلك، إلا من زاوية القربى وحسن الجوار، وأن الوطن بمحصلته هو بوتقة لنا جميعا، ننصهر فيها، خليط أردنيا، لا فرق فيه، أو في ألوانه أو توجهاته أو مشاربه وأصوله.

mohammd.rawashdeh@alghad.jo

التعليق