إبراهيم غرايبة

"والله أعلم"

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (محمد، الآية 24).
يمتلئ التراث العلمي الإسلامي دائما بعبارة "والله أعلم". وربما تزيد هذه العبارة على القول "إن شاء الله" في التراث العلمي والوجداني. وإنها لمقولة منهجية عميقة لا تكاد تطبق للأسف الشديد؛ فهي ببساطة، تعني احتمال الخطأ، ونسبية الصواب، وعدم اليقين، وهذه هي مبادئ العلم في جميع فروعه ومجالاته. فلولا هذه النسبية لما حصل التقدم العلمي، ولولا احتمال الخطأ لما كان تطوير الفكرة، ولولا عدم اليقين لما كان البحث الدائم عن الصواب.
وبالطبع، فإنها مبادئ (النسبية وعدم اليقين واحتمال الخطأ) يجب اتباعها في فهم الدين. ولا يتناقض مع الإيمان بالقرآن أن يتفكر المؤمن ويبحث في المعاني والحكم، ويتساءل وينظر في النصوص ويتدبرها بحرية كاملة، فمن غير حرية التدبر والسؤال لا يمكن التقدم في الفهم والخطاب.
ويغلب على "المؤمنين" الرفض التام للبحث والتساؤل في معاني النصوص ودلالاتها، والقبول بما قاله علماء وتأولوه، لدرجة أن أقوال العلماء أصبحت قوتها الاتباعية والتطبيقية مثل القرآن. هذه الوصاية على القرآن هي ما حذر منه القرآن، وهي ادّعاء للألوهية ولحق لم يمنح للرسول "وما على الرسول إلا البلاغ" والقبول بها شرك بالله. وبالطبع، فإن الناس تحتاج إلى العلماء وتلجأ إليهم، ولكنه احتياج فني محض واختياري، وليس حقا دينيا للعلماء ولا واجبا دينيا على المتبعين إلا بمقدار حاجتهم "إن كنتم لا تعلمون".
والعالِم ابتداء هي صفة يمنحها الناس بثقتهم واتباعهم، ولا يستطيع أحد أن يدعيها أبدا، لا بشهادة علمية تمنحها الجامعات ولا بأي وسيلة أخرى. فليس من وسيلة للحكم على عالِم بأنه عالِم سوى ثقة الناس واتباعهم، وليس لأحد في ذلك سلطة مادية ولا مطلب يدعيه ويطالب به الناس.
هذه "الفوضى" لا تضر بالعلم والفهم كما يزعم البعض، العكس تماما؛ فإنها تضع العلم والعلماء أمام تحدّي البحث والإقناع والحجة، وألا يركنوا إلى سلطة دينية وهيمنة على الناس لا حق لهم فيها، ولم يمنحها لهم شرع ولا دين، وتجعل العلم بالدين عملية متواصلة خاضعة للبحث العلمي ومناهجه العلمية المتبعة في سائر العلوم، وتحرره من التخلف والجمود.. والعلم ابتداء يحب أن يكون قابلا لإثبات الخطأ، وليس يقينا نزل من السماء.
فأن يكون الإنسان عالِما ليس له ولاية دينية ولا مؤسسية، ويجب أيضا أن يكون ملتزما تماما باحتمال خطئه ونسبية صوابه.. فلا علم مع اليقين.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قصه طريفه (ابو السعود)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2012.
    نقل كاتب سعودي بما معناه : كان رجال يعبرون نهر دجله بالمركب - ايام دوله العباسيين - وكان احدهم يحمل " زقا " فسأله آخر ان يسقيه مما معه , فصب له قائلا : هذه خمر ! فقال له كيف عرفت ؟ أجاب ألأول : أشتراه عبدي المسيحي من التاجر اليهودي بآخر الشارع . فما كان من صاحبنا الا ان شربها قائلا : اتريد ان اصدق مسيحي ويهودي ! والله ما شربتها الا لضعف الأسناد
  • »المعرفة الاخلاقية الاسلامية بين النسبية والموضوعية (حسام)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2012.
    "رأييّ صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" قول للامام الشافعي يمكن ان يشكل نبراساً للامة في مختلف العصور في التعامل مع "القضايا الشرعية الظنية" وهي عموماً قضايا يُفترض ان تكون في الفرعيات اذا كانت الامة تقدّر حقاً العلوم الشرعية كما ينبغي وكذلك تقدّر أسباب بقائها وبنائها. ولكن الاتفاق على هذا المبدأ الهام (يسمى أحياناً في نظرية المعرفة الحديثة بمبدأ التفنيد) يجب لا يجرّنا الى منزلق لا يقل وعورة، الا وهو الاعتقاد بأن نظرية المعرفة الاسلامية هي في المحصلة النهائية نظرية نسبية (أو شخصية)، كما يمكن ان يعتقد الكاتب. أن هذا الاعتقاد يتناقض مع تسمية القرآن بأنه نوراً وبرهاناً وفرقاناً، ومع وجود "الآيات المحكمات" التي هي أم الكتاب أي أساسه، ويتناقض مع دور رسالة الاسلام في هداية بني آدم واتمام مكارم الاخلاق في مجتمعاته التي تعاني حالياً الأمرّين من انتشار الفردية والعدمية والنسبية الأخلاقية.
  • »العام والدين (ahmad)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2012.
    ايها الكاتب المؤمن اشكرك على هذا الاهتمام والتوضيح فنحن بحاجة ماسة الى فهم عميق للنصوص والشرائع الدينية فليس كل مشرع عالم ولكن الناس تتبع بمحض الفطرة والتقاليد من يثقون به ويتوجونه عالما او فقيها ويصبح الزاما عليهم اتباع اوامره واجتناب نواهيه